فاطمة إبراهيم البلوي

تبوك

بالأمس، الموافق 30 مايو، مرَّ اليوم العالمي للتصلب اللويحي..

مرَّ على العالم أجمع وهو يحمل رسائل التوعية والدعم والتضامن، ومرَّ على آلاف المرضى الذين وجدوا في هذا اليوم نافذةً صغيرة يشعرون من خلالها أن معاناتهم ليست منسية، وأن رحلتهم الطويلة مع المرض تجد من يلتفت إليها ولو ليومٍ واحد في العام.

أما هنا…

فقد مرَّ اليوم هادئًا إلى حدٍّ موجع..

هادئًا أكثر مما ينبغي..

وكأن هذا المرض لا يسكن بيننا..

وكأن الذين يحملون أعباءه كل يومٍ غير موجودين..

وكأن الوجع الذي يرافقهم في تفاصيل حياتهم لا يستحق أن يُذكر..

وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أبحث عن احتفالٍ صاخب، ولا عن منصاتٍ مزدحمة، ولا عن كلماتٍ تُقال لمجرد أن المناسبة حضرت..

كل ما كنت أتمناه أن أشعر بأن لهذا اليوم أثرًا..

أن أشعر بأن هناك من تذكّر أولئك الذين يخوضون معاركهم بصمت..

أن أرى التفاتةً بسيطة تقول لمرضى التصلب اللويحي: نراكم… ونعرف حجم ما تعيشونه..

لأن التصلب اللويحي ليس مرضًا يزور الجسد ثم يرحل..

إنه رفيقٌ ثقيل يرافق المريض في استيقاظه ونومه..

في خطواته وأحلامه..

في خوفه من الغد وفي محاولاته المستمرة للتمسك بالأمل..

هو ذلك التعب الذي لا يراه أحد..

وذلك الألم الذي يعجز المصاب أحيانًا عن شرحه..

وذلك القلق الذي يسكن القلب كلما طرأ عرضٌ جديد أو هجمةٌ جديدة..

ورغم كل ذلك، يواصل المصابون حياتهم..

يبتسمون..

ويعملون..

ويحاولون أن يبدوا أقوى مما يشعرون به في الداخل..

لذلك كان يؤلمني أن يمرَّ هذا اليوم دون أن أجد ما كنت أبحث عنه…

لا لأن المناسبة بحد ذاتها ستغير واقع المرض..

بل لأن الاهتمام يحمل معنى أكبر من مجرد فعالية…

إنه شعور بالاحتواء..

وشعور بأن هناك من يدرك أن خلف كل مريض قصةً طويلة من الصبر والمواجهة..

في مدنٍ كثيرة، كان المرضى بالأمس يرون رسائل التوعية..

واللقاءات..

والمبادرات..

والكلمات التي تمنحهم شيئًا من القوة المعنوية..

أما هنا…

فقد كان الصمت سيد المشهد..

والصمت أحيانًا أشد وقعًا من الكلمات..

ليس لأن أحدًا تعمد الغياب، ولكن لأن الغياب نفسه يترك سؤالًا مؤلمًا في القلب…

أما كان لنا في هذا اليوم نصيب؟!

أما كان بيننا من يستحق أن يُقال له: نحن نراك؟!

أما كان بين هذه الأرواح المتعبة من ينتظر لحظةً يشعر فيها أن معركته اليومية ليست بعيدة عن اهتمام الآخرين؟!

إنها ليست شكوى بقدر ما هي عتب…

والعتب لا يكون إلا على من نأمل منه الكثير..

عتبٌ لأننا نؤمن أن مرضى التصلب اللويحي يستحقون أكثر من أن يمر يومهم العالمي بصمت..

ويستحقون أكثر من أن تبقى قصصهم حبيسة الجدران والملفات الطبية…

ويستحقون أن تُروى حكايات صبرهم للناس..

وأن تُسلَّط الأضواء على احتياجاتهم وتحدياتهم….

وأن يجدوا من يذكرهم في يومٍ خُصص أصلًا لأجلهم…

ومع ذلك…

سيبقى الأمل قائمًا..

سيبقى المرضى كما عهدناهم..

يصنعون من الألم قوة..

ومن التعب صبرًا..

ومن الخيبات أسبابًا جديدة للاستمرار..

وسيظل في القلب رجاءٌ بأن يأتي يومٌ لا تمر فيه هذه المناسبة مرور العابرين…

بل تكون مساحةً حقيقيةً للتوعية والدعم وإيصال الصوت..

فخلف كل مريض تصلبٍ لويحي حكاية كفاح..

وخلف كل ابتسامةٍ يخفيها المصاب وجعٌ لا يعرفه إلا الله…

وخلف كل صمتٍ طويل قلبٌ كان يتمنى فقط أن يشعر، ولو ليومٍ واحد في العام، أنه لم يكن منسيًا…

اترك تعليقاً