بقلم – صالح الصواط
هناك من يظن أن الوصول إلى الشهرة يستحق أن تُداس الكرامة، وأن رضا الناس يساوي التنازل عن المبادئ، وأن كلمات الثناء والتصفيق قادرة على تعويض الإنسان عن احترامه لنفسه. لكنها معادلة خاسرة منذ بدايتها، لأن الكرامة لا تُشترى، ولا تُستعار، ولا يعوضها تصفيق جمهور أو مجاملة أصحاب النفوذ.

كم هو مؤسف أن نرى من يلهث خلف الأضواء، فيُسقط هيبته بيده، ويتخلى عن استقلاليته، ويجعل من نفسه وسيلة لإرضاء الجميع، معتقدًا أن التملق طريق مختصر إلى القمة. لكنه ينسى أن القمم التي تُبنى على الانحناء لا تدوم، وأن من يصل إليها على حساب كرامته، سيبقى أسيرًا لمن صنعوا له تلك الصورة الزائفة.

ما قيمة كلمات الشكر والثناء إذا كانت ثمنها إذلال النفس؟ وما قيمة الشهرة إذا كانت تُبنى على التزلف والتطفل والبحث عن الظهور بأي وسيلة؟ إن التصفيق الذي يُشترى بالمجاملة سرعان ما يصمت، أما احترام الإنسان لنفسه فهو الرصيد الحقيقي الذي يبقى حين تنطفئ الأضواء.

والأخطر من ذلك، أن بعض السلوكيات لا تنبع من طموح صادق، بل من أمراض دفينة تتغذى على الحسد والكراهية والنفاق. فيتحول النجاح الحقيقي للآخرين إلى مصدر ضيق، ويصبح التملق وسيلة للتقرب من أصحاب المال أو النفوذ، لا عن قناعة، بل بحثًا عن مصلحة أو مكسب شخصي.

ليس كل مديح صادقًا، وليس كل ثناء دليلًا على الاحترام. فهناك من يُكثر من الإطراء لأنه ينتظر المقابل، ومن يرفع الآخرين بالكلمات ليحجز لنفسه مكانًا على موائد المصالح. وهنا يفقد المديح قيمته، ويتحول إلى تجارة رخيصة لا علاقة لها بالأخلاق أو الوفاء.

إن المجتمع لا يحترم الإنسان لأنه يجيد التصفيق للآخرين، بل لأنه يحافظ على كرامته، ويقول كلمة الحق، ويقف بثبات أمام المغريات. فالمكانة الحقيقية لا يمنحها المال، ولا الشهرة، ولا أصحاب النفوذ، وإنما يمنحها الصدق، والمبدأ، وعزة النفس.

سيبقى الإنسان كريمًا ما دام لا يبيع نفسه لأحد، وسيبقى شامخًا ما دام لا يجعل رضا الناس أغلى من احترامه لذاته. أما الشهرة التي تُبنى على النفاق، والتزلف، والتخلي عن الكرامة، فهي ليست نجاحًا، بل سقوطٌ مؤجل، لأن التاريخ لا يتذكر من صفقوا كثيرًا، بل يتذكر من حافظوا على مبادئهم حين كان ثمنها باهظًا.

فالكرامة ليست خيارًا بين خيارات الحياة، بل هي الحياة نفسها. ومن خسر كرامته، فلن يغنيه تصفيق الناس، ولن تنفعه كلمات الثناء، لأن الإنسان قد يخسر ماله أو منصبه ثم يعوضهما، لكنه إذا خسر احترامه لنفسه، فقد خسر أعظم ما يملك.

اترك تعليقاً