بقلم: معلا السلمي
ليس هناك ما يربك العلاقات الإنسانية أكثر من شخص لا يستقر على حال، ولا يثبت على رأي، ولا يُعرف له موقف. تراه اليوم مؤمنًا بفكرة يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، ثم لا يلبث أن يتخلى عنها غدًا وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من قناعاته. يقترب بلا حدود، ثم يبتعد بلا أسباب، ويمنح الثقة ثم يسحبها، ويعد ثم يتراجع، حتى يصبح من حوله عاجزين عن فهمه أو توقع ردود أفعاله.
إن تقلب المزاج أمر فطري يمر به كل إنسان، فالضغوط اليومية، وتراكم المسؤوليات، والإرهاق النفسي، كلها عوامل تؤثر في الحالة المزاجية. لكن الإنسان الواعي هو من يدير مشاعره، لا من تسيّره مشاعره. فهناك فرق شاسع بين أن تشعر بالغضب، وبين أن تجعل غضبك يهدم علاقة بُنيت على سنوات من المحبة، وبين أن يسيطر عليك الحزن، وبين أن تجعل حزنك سببًا في ظلم من لا ذنب لهم.
المشكلة لا تكمن في تغير المزاج، وإنما في أن يتحول المزاج إلى قائد للعقل، وأن تصبح القرارات رهينة للحظة انفعال، فيُقال ما لا يُقصد، ويُفعل ما لا يُراد، ثم يبدأ مسلسل الندم بعد أن تكون الكلمات قد تركت جراحها، والقرارات قد رسمت آثارها.
أما تغير الآراء، فهو في حقيقته ليس عيبًا، بل قد يكون دليلًا على النضج إذا كان مبنيًا على العلم، أو التجربة، أو ظهور الحقيقة. فالعقول الكبيرة لا تخجل من مراجعة نفسها، ولا ترى في الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من مكانتها. لكن ما يثير القلق هو أن تتبدل الآراء بتبدل المصالح، أو أن تتغير القناعات بتغير الأشخاص، أو أن يصبح الرأي تابعًا للحالة النفسية لا للحقيقة.
ومن المؤسف أن بعض الناس لا يفرّق بين مراجعة الفكر وتقلب المواقف. فتراه يمتدح الشخص اليوم، ثم يهاجمه غدًا، لا لأن الحقيقة تبدلت، بل لأن مزاجه تبدل. ويؤيد قرارًا في الصباح، ثم يرفضه في المساء، دون أن يقدم سببًا منطقيًا لهذا التحول. ومع تكرار هذه التصرفات، يفقد الإنسان شيئًا فشيئًا أغلى ما يملكه، وهو ثقة الآخرين.
الثقة لا تُبنى على كثرة الكلام، بل على ثبات المواقف. ولا تُكتسب بالوعود، بل بالوفاء بها. فالناس قد تنسى ما قلته، لكنها لا تنسى تناقضك. وقد تغفر خطأك، لكنها تجد صعوبة في التعامل مع شخص لا تعرف أي وجه من وجوهه سيظهر لها في كل مرة.
ولعل من أجمل صور النضج أن يتعلم الإنسان تأجيل قراراته عندما يكون غاضبًا، وأن يؤخر أحكامه عندما يكون حزينًا، وأن يمنح نفسه فرصة حتى تهدأ العاطفة ويعود العقل إلى موقع القيادة. فكم من كلمة لم تُقل أنقذت علاقة، وكم من قرار تأخر ساعات حفظ أسرة، وكم من صمت كان أبلغ من آلاف العبارات.
ومن الجانب الآخر، فإن علينا ألا نكون قساة في أحكامنا على من يتقلب مزاجه، فقد يخفي خلف ابتسامته همومًا لا يعلمها أحد، أو يعيش ضغوطًا لم يُفصح عنها. غير أن ذلك لا يعفي الإنسان من مسؤوليته في تهذيب نفسه، فالنضج ليس في أن نبرر أخطاءنا، بل في أن نسعى إلى إصلاحها.
لقد أصبح العالم اليوم أكثر سرعة، وأكثر ضغطًا، وأكثر قدرة على استنزاف الإنسان نفسيًا، ولهذا ازدادت التقلبات، وكثرت ردود الأفعال المتسرعة، وغابت مساحة التأمل قبل اتخاذ القرار. لكن وسط هذا الضجيج، يبقى الإنسان الحكيم هو من يحافظ على اتزانه، ويجعل مبادئه ثابتة مهما تغيرت الظروف، ويجعل أخلاقه أعلى من انفعالاته.
فالإنسان قد يتغير، والظروف قد تتبدل، والأيام لا تثبت على حال، لكن المبادئ الصادقة لا تتقلب مع الرياح، والقلوب النقية لا تجعل المزاج مبررًا للإساءة، والعقول الراجحة لا تسمح للعاطفة أن تقودها إلى ما تندم عليه.
إن أعظم انتصار يحققه الإنسان في حياته ليس أن ينتصر على الآخرين، بل أن ينتصر على غضبه، وعلى تقلباته، وعلى انفعالاته. فمن استطاع أن يقود نفسه بعقله، ويحكم مشاعره بحكمته، فقد امتلك مفاتيح الاستقرار، وربح احترام الناس، قبل أن يربح رضا نفسه