بقلم الإعلامي صالح المحجم
في صباحٍ هادئ، اجتمع خمسة أمام بئرٍ قديم ، ذئبٌ أبيض، ينظر بثبات وكأنه يقول: أنا القوة، ومن يملك القوة يكتب الحقيقة كما يريد.
وأفعى رفعت رأسها في كبرياء هامسة: أنا المكر، وما لا تحققه القوة يحققه الخداع.
وعقربٌ يحرك ذيله في هدوء، وكأنه يقول: أنا لا أنسى، وأنتظر اللحظة المناسبة لألدغ.
أما الحرباء… فلم يكن لها رأي، ولم تعرف لها مبدأ. كانت تراقب الوجوه، فإذا تكلم القوي وافقته، وإذا تغيرت الموازين تغير لونها، فهي لا تبحث عن الحق، بل عن المكان الذي يحفظ لها مصالحها. تؤمن أن التلون وسيلة للنجاة، وأن التصفيق للمنتصر هو الطريق الأقصر للبقاء.
وفي المنتصف….. كان الحمار
لم يكن أقواهم، ولا أخبثهم، ولا أكثرهم دهاءً. كان بسيطًا، لا يعرف إلا أن يحمل الأثقال، ويؤدي ما عليه بصمت.
اقترب الذئب وقال:
أنت السبب في كل ما يحدث.
وقالت الأفعى:
لو كنت أكثر دهاءً لما وصلنا إلى هنا.
وأضاف العقرب:
وسأكون أول من يعاقبك.
أما الحرباء…
فاكتفت بهز رأسها موافقةً للجميع.
لم تدافع عن المظلوم، ولم تعترض على الظالم، لأنها اعتادت أن تقف دائمًا مع الطرف الأقوى، ولو كان على باطل.
وقف الحمار صامتًا. لم يدافع عن نفسه، ولم يبادلهم الاتهامات. كان يعلم أن الحقيقة تفقد قيمتها عندما تتفق المصالح على صناعة كذبة واحدة.
وحين أقبل المساء…
عاد الذئب ليفترس.
وعادت الأفعى لتنفث سمها.
وانطلق العقرب يبحث عن ضحية جديدة.
أما الحرباء، فقد غيرت لونها مرة أخرى، بعدما وجدت أن مصلحتها أصبحت مع فريق آخر.
أما الحمار… فعاد يحمل الأثقال كما اعتاد، لأنه الوحيد الذي كان يعمل، بينما كان الآخرون يتقنون فن الاتهام، والتلون، وصناعة الأوهام.
وفي صباح اليوم التالي…
اجتمعوا مرة أخرى.
ولأن أصحاب النفوس المتلونه لا يعترفون بأخطائهم، بحثوا عن مذنبٍ جديد.
لكنهم لم يجدوا إلا الحمار.
وهكذا هي الحياة…
كم من مستقيم يدفع ثمن أخطاء غيره
لأنه لا يجيد المراوغة.
وكم من صاحب مبدأ يصبح هدفًا لأصحاب المصالح.
وكم من منافق يبدل مواقفه كل يوم، لا وفاءً لقناعة
بل حفاظًا على مكسب.
فالذئب لا يريد عدلًا، بل سيطرة.
والأفعى لا تبحث عن الحقيقة، بل عن فرصة للخداع.
والعقرب لا يعرف إلا الغدر إذا سنحت له اللحظة.
أما الحرباء… فهي أخطرهم جميعًا، لأنها لا تلدغ، ولا تفترس، لكنها تمنح الباطل شرعية بتلونها، وتصفق لكل غالب، وتدير ظهرها لكل مظلوم، فلا وطن لها إلا المصلحة، ولا لون لها إلا لون المنتصر.
أما الحمار…
فلم يكن ذنبه أنه ضعيف، بل كان ذنبه الوحيد أنه بقي شريفًا في غابةٍ اعتاد كثيرٌ من ساكنيها أن يبدّلوا مبادئهم كلما تبدّلت مصالحهم.