عبد العزيز عطية العنزي

​في عالم الصحافة والكتابة الفكرية، لطالما كان القلم أمانة، والكلمة مسؤولية، والمقال مرآة لعقل صاحبه وتجربته. إلا أننا نشهد اليوم ظاهرة مقلقة، بدأت تتسلل إلى صفحات الرأي والمنابر الثقافية؛ وهي ظهور “كتّاب” اقتحموا مجال المقال، لا عن دراية أو تخصص، بل مستندين إلى ذكاء اصطناعي يكتب لهم ما يشاءون بضغطة زر.

​إنها “كارثة” أدبية وفكرية حين يتحول المقال من وسيلة لنقل الفكرة وتنوير القارئ، إلى مجرد وسيلة لملء الفراغ، أو للبحث عن “اسم” يلمع في صفحات المقالات، دون أن يحمل هذا الاسم خلفه أي رصيد من المعرفة أو العمق.

​غياب الجوهر.. حينما يسكت “الكاتب” عن مقاله

​المفارقة المؤلمة تكمن في ذلك المشهد العبثي: أن تطلب من أحدهم تلخيصاً لمقاله، أو نقاشاً حول فكرته الرئيسية، فتجده في حيرة من أمره، لا يملك الإجابة ولا يدرك عمق ما “ادعى” كتابته. هو كاتب بالاسم فقط، أما المحتوى فهو نتاج خوارزميات صماء لا روح فيها ولا تجربة إنسانية.
​لقد أصبح الهدف هنا “الظهور” لا “التأثير”، والكم لا الكيف، مما أدى إلى تضخم الساحة بمقالات هشة، تفتقر إلى النبض الحقيقي الذي يربط القارئ بالكاتب.

​الفرق بين “روح” الكاتب و”برود” الخوارزمية

​يظن هؤلاء المدّعون أن الذكاء الاصطناعي هو وسيلتهم للنجاح، غافلين عن حقيقة جوهرية: بصمة الكاتب الحقيقي لا يمكن محاكاتها.
​هناك فرق شاسع يدركه القارئ النبيه، ويجهله الكاتب الزائف:
​التجربة الإنسانية: المقال المكتوب بحق يحمل في طياته معاناة الكاتب، فرحه، خبرته العملية، وفلسفته الخاصة التي صقلتها السنون.
​البنية والأسلوب: الكتابة البشرية تمتلك روحاً، إيقاعاً، وتفرداً في اختيار الكلمات. بينما المقال “المصنوع” عبر الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت فصاحته، يظل رتيباً، يفتقر إلى تلك “اللمسة البشرية” التي تجعل النص حياً.
​الصدق: القارئ اليوم، بذكائه الفطري، يستطيع التمييز بين الكلمة التي خرجت من القلب لتعبر عن معرفة، والكلمة التي صِيغت تقنياً لملء المساحات.
​الخاتمة: الكتابة ليست مجرد ترتيب كلمات
​إن التطور التقني سلاح ذو حدين، واستخدامه للمساعدة في البحث أو التنسيق أمر مشروع، لكن تحويله إلى “بديل” عن الفكر والاجتهاد الشخصي هو تزييف للوعي. المقال ليس مجرد هيكل جمل متراصة؛ هو رسالة. ومن لا يملك رسالة، ولا يفهم ما يكتب، سيظل دائماً غريباً عن صفحات الفكر، مهما حاول أن يتسلق بغير أدواته.
​إن الكتابة مهنة الشرفاء والعارفين، ومن أراد أن يخلد اسمه فيها، فليكتب بدم قلبه، لا بذكاء آلة صماء.

اترك تعليقاً