بقلم: عبدالعزيز عطيه العنزي

ثمة علاقة غامضة تجمع الكلمات بالألم؛ فحين تضيق الروح بما تحمله، تبحث عن الحروف لتسكب فيها ما عجزت عن البوح به. وكأن الكتابة ليست مجرد تعبير عن الشعور، بل محاولة لاستعادة الذات من بين ركام الخيبات.

 

لكن، هل نكتب لننجو من الألم، أم لأننا اعتدنا وجوده حتى أصبح جزءًا من هويتنا؟

ربما يتحول الحزن، مع مرور الوقت، إلى لغة مألوفة، فنجد في الكتابة عنه ملاذًا، ونخشى أحيانًا أن نفقده؛ لأننا نعتقد أن رحيله قد يسلبنا عمق التجربة وجمال التعبير. وهنا تكمن المفارقة: أن يصبح الألم الذي نبحث عن الخلاص منه مصدرًا نخشى أن نفقده.

ليست كل الآلام دروسًا، ولا كل الخيبات تصنع حكماء؛ فبعض الأوجاع تستنزف الروح دون أن تمنحها شيئًا سوى الصمت. ومع ذلك، تمنح الكلمات هذا الوجع ملامح ومعاني، فتجعل القارئ يرى في الحروف شيئًا من حكايته التي عجز عن تفسيرها.

غير أن الخطر يبدأ حين تتحول الكتابة من وسيلة للتحرر إلى سجن أنيق، نعيد فيه إحياء جراحنا، ونمنحها حياة أطول مما تستحق. فليس كل جرح جديرًا بالحراسة، وليس كل ألم ينبغي أن يصبح عنوانًا دائمًا لحياتنا.

إن جمال الكتابة لا يكمن في قدرتها على وصف الانكسار فحسب، بل في قدرتها على فهمه وتجاوزه. فالكلمات التي تعشق أنين الألم قد تصنع أدبًا عميقًا، لكنها تبلغ نضجها الحقيقي حين تمنح الروح فرصة للشفاء، وتفتح أمامها نافذةً لا يدخل منها الحزن وحده.

فليست أعظم الكلمات تلك التي تجعلنا نبكي على ما فقدنا، بل تلك التي تساعدنا على فهم ما حدث، دون أن نقضي بقية أعمارنا نعيش داخله.

اترك تعليقاً