بقلم: عبدالعزيزعطيه العنزي
حين يتأمل المؤرخ والباحث في صفحات التاريخ الحديث لجزيرة العرب، يدرك أن أعظم إنجاز بشري وحضاري تم تحقيقه على يد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- لم يكن مجرد توحيد الجغرافيا المترامية الأطراف، بل كان “صناعة الأمن” وإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان وحرمة الدماء. ولعل أصدق شاهد على قسوة تلك الحقبة التي سبقت عهد التوحيد، هو ما وثقته قرائح الشعراء، وفي مقدمتهم أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة التي تضج بالأسى على حال الحجاز والأماكن المقدسة.
الحجاز تحت وطأة الفوضى: صرخة من قلب الحرم
في عام 1322 هـ (1904م)، وقف أحمد شوقي بقلب مفجوع يرقب ما آلت إليه أحوال الحجاز وبيت الله الحرام تحت وطأة الانفلات الإداري وسلطة بعض الولاة العثمانيين وشيوخ القبائل المتناحرة؛ فصاغ مرثية تاريخية ناطقة تبدأ بالصرخة المدوية:
– ضجَّ الحجازُ وضجَّ البيتُ والحرمُ
– واستصرخت ربَّها في مكة الأممُ
لم تكن تلك الأبيات مجرد تراكيب بلاغية، بل كانت تقريراً صحفياً شعرياً عالي الصدق، ينقل واقعاً مرعباً غاب فيه القانون وسادت فيه شريعة الغاب. فقد أصبح الحج -وهو الركن العظيم- مغامرة مميتة، والطرق المؤدية إلى الديار المقدسة تفيض بالدماء، حيث يقول شوقي مصوراً ضياع السبل:
– الحجُّ ركنٌ من الإسلام نكبره
– واليوم يوشك هذا الركن ينهدمُ
– عزَّ السبيل إلى طه وتربته
– فمن أراد سبيلاً ففي الطريق دمُ
لقد جسدت القصيدة حالة مأساوية من استباحة المحارم وانتهاك الحريات، حتى إن عيون الجند ناظرة لا تحرك ساكناً أمام سلب النساء وترهيب الأهل والحشم، في بيئة وصفتها الأبيات بكونها تُركت بلا راعٍ تحيط بها الذئاب:
– ربَّ الجزيرة أدركها فقد عبثت
– بها الذئابُ وضلَّ الراعي الغنمُ
صفحة جديدة: عهد الأمن العميم
لكن التاريخ لا يقف عند محطة المأساة حين تتوفر الإرادة الصلبة والقيادة الحكيمة. فما إن أشرقت شمس العهد السعودي الزاهر بقيادة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله- حتى طُويت صفحة الفوضى والتشظي الأمني، وأُقيم صرح الدولة على قواعد راسخة من العدل وتطبيق الشريعة وبسط هيبة الدولة.
انقلبت الحال، وتحولت الفجاج التي كانت مسرحاً لقطع الطرق وسفك الدماء إلى مسالك آمنة يرتادها الحاج والمعتمر والمسافر بمفرده لا يخاف إلا الله. وهو التحول الذي وثقه شعراء ذلك العصر؛ يقول الشاعر أحمد محمد الكناني مخلداً هذا الإنجاز العظيم:
– عبد العزيز نشرتَ الأمن في بلد.. كانت نفوس البرايا فيه تنتهبُ
فيما عبّر الشاعر أحمد غزاوي عن عمق هذا الاستقرار بعبارات تنبض بالاطمئنان، مشيراً إلى أن المسافر أصبح يجوب الفيافي المخيفة أعزلاً في جنح الليل بكل طمأنينة:
– ويجوبه المجتاز أعزل في الدجى.. ما بين حاضرة وبين بوادي
خاتمة
إن قراءة قصيدة أحمد شوقي اليوم، ومقارنتها بالواقع المعاش الذي أرسى قواعده الملك عبد العزيز وخلفه من بعده، تمنحنا قراءة واعية بقيمة “الأمن” باعتباره النعمة الكبرى التي تسبق كل عمران وازدهار. لقد استجاب الله لتلك الصرخات القديمة في الحرم المكي، فقيّض لهذه الأرض رجلاً أبدل خوفها أمناً، وشتاتها وحدة واستقراراً، لتظل المملكة العربية السعودية واحة أمان يقصدها المسلمون من أفق الدنيا الأربع بكل طمأنينة وسلام.