بقلم:عبدالعزيز عطيه العنزي
لم يعد مفهوم الوطنية في السعودية مجرد عاطفة مجردة تتغذى على الشعارات الرنانة، بل تحول بفضل التحولات الكبرى التي تقودها “رؤية 2030” إلى فلسفة عمل وممارسة مؤسسية واضحة المعالم. وفي قلب هذا التحول العظيم، يبرز ملمح رئيسي يحدد ملامح العصر الحالي: الإنسان أولاً، التنمية ثانياً، واستقرار المنطقة وازدهارها امتداداً لقوة الداخل.
حين يتردد طرح من قبيل “السعودي قضيتي ثم قضيتي”، فهو لا يعبر عن نزعة انغلاقية أو تنصل من العمق التاريخي والثقافي للمملكة، بل يمثل إعادة تموضع استراتيجية يفرضها عقل “السعودي الجديد”؛ الشاب الواعي المدرك أن الدولة القوية، المستقرة اقتصادياً والآمنة داخلياً، هي وحدها القادرة على نصرة قضايا أمتها، ومد يد العون لمحيطها، وتقديم نموذج ملهم في البناء والنجاح.
التركيز على الداخل: قوة مضافة لا قطيعة
لسنوات طويلة، استنزفت القضايا الإقليمية والملفات العربية جزءاً كبيراً من مقدرات المنطقة الذهنية والسياسية، وغالباً ما جاء ذلك على حساب التنمية المحلية وبناء الإنسان. غير أن النهج الجديد أرسى قاعدة ذهبية لا رجعة فيها: قوة السعودية من قوة إنسانها واقتصادها الداخلي.
إن برامج التحول الاقتصادي، ومحاربة الفساد، وتوطين التقنية، وتمكين الشباب والمرأة، والقفزات الهائلة في جودة الحياة والتعليم والصحة، كلها شواهد حية على أن “قضية المواطن” تحولت إلى جدول أعمال يومي لا يقبل التأجيل. فالتعليم النوعي الذي يتلقاه الشاب السعودي اليوم، وفرصة العمل اللائقة في قطاعات المستقبل، والمسكن الميسر، والرعاية الصحية المتقدمة، هي الترجمة الفعلية والعملية لمعنى “التنمية أولاً”.
فلسفة “السعودي الجديد”: وعي الجمعي والمستقبل
إن تفكير “السعودي الجديد” اليوم يتميز بالبراغماتية والاعتزاز بالهوية في آن واحد؛ فهو يرى أن حب الوطن يُقاس بحجم الإنجاز، والعمل الدؤوب، والإسهام الفاعل في بناء الاقتصاد الوطني، لا بالخطب الحماسية. هذا الوعي الجمعي النضج أدرك تماماً أن الدول التي تهمل شعوبها وتنشغل بالأيديولوجيات الخارجية تتهاوى من الداخل، فتفقد القدرة حتى على الدفاع عن نفسها، ناهيك عن نصرة قضايا الآخرين.
وحين تكون قضية السعودي هي البوصلة الدائمة، فإن الوطن بأكمله يمضي بثبات نحو مستقبل تليق به وبطموحات أبنائه، لتظل السعودية دائماً قصة النجاح الكبرى التي تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه.