ربيعة الحربي_الرياض
كان يكفي الاقتراب قليلًا من ركن الفخار داخل فعاليات الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية “بنان” حتى يظهر ذلك الصف الهادئ من القطع التي لا تشبه بعضها، لكنها تشترك في شيء واحد: حضورها الدافئ. بين هذه القطع كانت فاطمة حسنين، الفنانة التشكيلية القادمة من جدة، تقف كأنها جزء من المشهد نفسه، لا ترفع صوتها ولا تستعرض أدواتها، بل تترك للخزف أن يتحدث عنها كما لو كان يمتلك ذاكرة خاصة.
فاطمة التي بدأت رحلتها قبل “17 سنة” تقول إن الفخار بالنسبة لها “مو مجرد صناعة… هو جزء من الهوية”. تتعامل مع الطين كما يتعامل شخص مع شيء يعرفه منذ الطفولة، تعرف متى تروّضه ليكون كوبًا، ومتى تتركه يأخذ شكله الطبيعي ليصبح مبخرة أو مزهرية أو قطعة زخرفية لا تُكرر. وكل قطعة، كما تصفها، “فيها روح” لا يمكن استنساخها حتى لو حاولت.
خلال هذه السنوات الطويلة، كانت فاطمة تراقب تحوّل الاهتمام بالحرف على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أصبحت الأعمال اليدوية تستعيد حضورها وسط جمهور جديد. تضحك وهي تقول إن منصاتها على السوشيال ميديا “صارت جزء من الشغل”، وإنها ترى إقبالاً كبيراً على كل ما تنتجه، سواء كانت أكوابًا نجدية بطابع تراثي معاصر، أو تمريات، أو مباخر بملمس حجري، أو مزهريات تعيد تشكيل الألوان الأولى للطين.
وتوضح أن تصميماتها تتغير بشكل دائم، فكل “ستة شهور” تقدم مجموعة جديدة أو تعيد إحياء تصاميم قديمة بمفهوم مختلف. لا تتعجل النتائج، ولا تعتمد على القوالب الجاهزة. تفضّل أن تصنع القطعة من البداية للنهاية بيديها، وتقول إن هذا الجزء تحديدًا هو ما يمنح العمل قيمته، لأن “كل لمسة عليها أثر الحرفة والأيام”.
ورغم أن مشاركتها في “بنان” تأتي ضمن عشرات المشاركات السعودية والعالمية، إلا أن ركنها كان من الأركان التي جذبت الزوار، ليس فقط بسبب تنوّع القطع، بل لأن فاطمة نفسها كانت تستقبل كل شخص بابتسامة هادئة، تشرح، وتلمس القطعة أمامه، وتخبره كيف خرجت من قالب بسيط للطين إلى شكلها النهائي. بعض الزوار يسألون عن طريقة التشكيل، وآخرون يريدون معرفة قصة التصاميم النجدية، بينما يطلب البعض قطعًا معينة تعكس هوية المكان الذي ينتمون إليه.
وتشير فاطمة إلى أن الفخار اليوم يأخذ مكانًا جديدًا في البيوت السعودية، ليس كعنصر تراثي فحسب، بل كقطعة فنية تلائم الطراز الحديث. ترى أن التوازن بين التراث والمعاصرة هو سر الإقبال الكبير على منتجاتها، وتؤمن أن الحرف حين تبقى مرتبطة بالهوية يمكنها أن تجد طريقها بسهولة إلى الأجيال الجديدة.
وفي “بنان” تحديدًا، شعرت أن وجودها جزء من مشهد أكبر، يضم حرفيين وفنانين من مختلف المناطق، وكل واحد منهم يحمل قصة طويلة مع مادته الأولى. تقول إن مشاركات المعرض هذا العام تمثل احتفاءً فعليًا بالحرف، وتعكس مسؤولية كبيرة تجاه الحفاظ عليها. بالنسبة لها، هذه المسؤولية تبدأ من قطعة صغيرة تحمل ملامح نجد، وتنتهي بيد طفل أو زائر يأخذها إلى بيته باعتبارها أثرًا من تجربة أكبر.
وبينما يتنقل الزوار بين أروقة المعرض، يبقى ركن فاطمة واحدًا من الأماكن التي تتوقف أمامها العيون طويلاً. ربما لأن الفخار يحمل شيئًا لا يمكن ترجمته بالكلمات: علاقة بين الحرفة وصاحبتها، وبين التراث الذي تحاول أن يستمرّ، وبين روح الفنانة التي تظهر في كل تفصيلة صغيرة، من انحناءة الكوب إلى ملمس المجمرة إلى زخرفة التمرية.