بقلم ✍️ : راشد بن محمد الفعيم
شاهدتُ مؤخراً لأحد احتفالات الزواج،
حقيقةً، فقد سرّني ذلك المشهد وأثلج صدري، وبثّ في نفسي بهجة غامرة؛ لما يحمله من دلالات عميقة على ما تنعم به القبائل السعودية اليوم من توادٍّ، وتراحمٍ، وأواصر نسبٍ وصهر.
وتذكرت في هذا المقام
قول الله تعالى في محكم التنزيل:
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
إنها الألفة.. تلك النعمة الربانية والمنحة الإلهية التي إذا حلّت في أمةٍ بدّلت خوفها أمناً، وجفاءها قُرباً، وحوّلت شتاتها إلى بنيان مرصوص. فالمحبة والتآلف ليسا مجرد مشاعر عابرة، بل هما الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها الأوطان، والبلسم الذي يداوي جراح الانقسام. حين تتآلف القلوب،
تتلاشى المسافات، وتذوب الفوارق، ويصبح المجتمع كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وما أملحه من مشهد حين يعود التاريخ بنا إلى فجر الإسلام، حينما آخى الرسول
عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، فجعلهم يداً واحدة بالإسلام والإيمان الذي وقر في قلوبهم، وصيّرهم إخوةً في العقيدة والدم، حتى بلغت المحبة والإيثار بينهم مبلغاً عظيماً تجسد في مواقف الصحابة
رضوان الله عليهم الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية ومقاسمة المال والعيش إجلالاً لهذه الأخوّة الإيمانية.
وتكررت هذه الصورة المشرفة في زمننا هذا ولله الحمد والمنة؛ فهذا الفضل وتلك النعمة هما أولاً بفضل الله عز وجل وتوفيقه، ثم بفضل جهود الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه
الذي لمّ شتات هذه الدولة العظيمة، وسعى جاداً وبحكمة بالغة وشجاعة فذة إلى حلّ الخلافات والنزاعات القديمة. فبعد أن كانت القبائل في غابر الأزمان متناحرة، يغزو بعضها بعضاً، ويعلو بينها صوت الاقتتال والفرقة، تبدّل الحال
بفضل الله ثم بحنكة القيادة
إلى ألفةٍ وثيقة ومحبةٍ صادقة.
إن هذا التحول التاريخي يثبت أن المحبة إذا تمكنت من النفوس صنعت المعجزات، وحوّلت صليل السيوف ونبرات التحدي إلى أهازيج فرحٍ وتلاحم. فالتآلف هو المظلة الواسعة التي نستظل بها جميعاً، وهو الحبل المتين الذي يعصم المجتمع من التفرق, ويجعل من التنوع القبلي مصدر قوةٍ وفخر، لا عامل فرقةٍ وهجر.
وما الصورة البهية التي رأيناها في ذلك الحفل
والتي تجلّت في قيام الدكتور مشعل بن ممدوح العلي، وهو يتوسط الأميرين الامير نايف بن فواز الشعلان والامير سعود بن فواز الشعلان، بمشاركة قبيلة الويلان رقصة
“الدّحة”
والأهازيج الشعبية في وئام تام وانسجام وافر، احتفاءً بزواج ابن سعادة اللواء فرحان النومسي
إلا عنوانٌ بارزٌ، وشاهدٌ حيّ، وبرهانٌ ساطع على هذه النعمة العظيمة.
إنها نعمةُ اللُّحمة الوطنية والترابط الوثيق الذي ألّف الله به بين قلوبنا، وجعلنا كـ “قبيلة واحدة” نلتحم في الملمات، ونتناسب في المصاهرات، ونتآخى في السراء والضراء، ونتشارك الأفراح والمسرات تحت راية التوحيد الخفاقة.. دام عز الوطن، ودامت ألفة أبنائه، وحفظ الله لنا قيادتنا ورخاءنا.