بقلم الكاتبة: نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية رفحاء
في البداية لا يكون الإعجاب فكرة بل شعور بسيط يولد مع أول وعي بالحياة طفلة تنظر إلى أبيها فلا ترى رجلًا عاديًا بل ترى معنى متكامل ترى القوة حين تحتاجها والطمأنينة حين تخاف واليقين حين يتشقق كل شيء حولها فيكون الأب أول تفسير للحياة قبل أن تبدأ الأسئلة
ومع هذا الشعور المبكر يتعلم الإنسان الإعجاب قبل أن يتعلم التفكير ويتعلم الانتماء قبل أن يعرف أسبابه لذلك يكون الإعجاب الأول أكثر صدقًا لأنه غير مشروط ولا خاضع للحسابات
ثم تكبر الطفلة ويتسع العالم ولم يعد الأب وحده قادرًا على تفسير كل شيء هنا يبدأ التحول الهادئ ويتغير الإعجاب من شعور تلقائي إلى وعي يبحث عن معنى أكبر معنى يشبه ذلك الأمان الأول لكنه أكثر اتساعًا وأكثر تعقيدًا
وهنا يظهر الوطن لا بوصفه أرضًا وحدودًا بل كفكرة كبيرة تحتضن الإنسان كما احتواه الأب من قبل لكنه احتواء يطلب منك المشاركة لا الاكتفاء فالأب يمنحك الأمان أما الوطن فيدفعك لتكون جزءًا من صناعته
وفي هذه المسافة بين العاطفة الأولى والوعي الجديد يتغير معنى الإعجاب لم يعد انبهارًا بل أصبح موقفًا ولم يعد مجرد حب بل صار مسؤولية تضعك أمام سؤال واضح ماذا يعني أن تكون معجبًا حقًا
وفي هذا السياق تبرز نماذج قيادية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ووطنه ومنها ما يمثله محمد بن سلمان من تحول يدفع بالإعجاب من حالة ساكنة إلى طاقة متحركة تطلب منك أن ترى وأن تسأل وأن تشارك في بناء المستقبل
الإعجاب بالأب كان يمنحك الطمأنينة ويخبرك أن كل شيء سيكون بخير أما الإعجاب بالوطن في صيغته الجديدة فهو يوقظك ويمنحك قلقًا إيجابيًا يجعلك تبحث عن دورك وتسأل عن مكانك في هذه الحكاية الكبرى
وهنا يتحول الطموح من رغبة فردية إلى مشروع جماعي فلا يعود النجاح أن تنجح وحدك بل أن تنجح ضمن سياق أوسع ترى فيه نفسك جزءًا من بناء مستمر لا ينتهي
الوطن لا يُعجبك لأنه مكتمل بل لأنه يسعى ولا لأنه بلا نقص بل لأنه يتغير ويمنحك فرصة أن تكون جزءًا من هذا التغير
ومن هنا يتبدل مفهوم النجاح فلا يكون نقطة وصول بل رحلة مستمرة لا يكون صعودًا فقط بل رفضًا دائمًا للبقاء في المكان نفسه
وكما احتاجت الطفلة إلى أبيها لتشعر بالأمان يحتاج الإنسان إلى فكرة أكبر تمنحه المعنى لكن الأمان يُمنح بينما المعنى يُصنع
وهنا تبدأ المرحلة الأهم أن تتحمل مسؤولية إعجابك فلا تكتفي بالشعور بل تحوله إلى وعي ثم إلى فعل لأن الإعجاب الحقيقي مرهق لا يسمح لك بالحياد بل يدفعك لأن ترى الفجوة بين الواقع والمأمول وأن تسعى لتقليصها
وهكذا يعود المعنى أعمق مما كان كل فتاة في أبيها معجبة لأنها ترى فيه بداية الأمان وفي الوطن تتجدد معاني الإعجاب لأنها ترى فيه أفقًا مفتوحًا وفرصة لصناعة المستقبل
وفي النهاية لا يكون السؤال من نُعجب به بل ماذا نفعل بهذا الإعجاب هل نتركه شعورًا عابرًا أم نحوله إلى طاقة تبني وتغير لأن أعظم ما في الإعجاب أنه لا يجعلنا نرى الأشياء أكبر فقط بل يجعلنا نؤمن أننا قادرون أن نكون أكبر مما نحن عليه