بقلم/نافع مبخوت البعيثي

ثماني سنوات.. لم تكن مجرد أرقام في دورة الزمن، بل كانت نبضًا يُقاس باللحظة، وهجمةً تُرد بأخرى، وموقفًا يعضد موقفًا، وكلمةً ترافق الرصاصة التي تخرج من فوهات البنادق لتكتب تاريخًا جديدًا من الكرامة. ثماني سنوات من تأسيس المقاومة الوطنية.

رحلةٌ لم تبدأ فوق السجاد الأحمر، بل نُسجت خيوطها بدماء الشهداء، وحملت على كاهلها إزاحة الظلم ومسح دموع اليتامى، بعزيمة رجالٍ لم يروا في الموت نهاية، بل طريقًا للكرامة وواجبًا مقدسًا لحماية الأرض والعِرض.

لقد عشنا الفترات الأشد قسوة، وكنا فيها لبعضنا السند والمدد، من كل فجٍّ وصوبٍ في الجمهورية. جمعتنا “البندقية” قبل أن يجمعنا “المكان”، وصهرتنا المحنة في بوتقة واحدة لا تعترف إلا بالولاء لليمن.

هنا الوفاء.. “شبوة”و”الموسمي”

حين نتحدث عن التأسيس، تنحني الرؤوس إجلالًا لرفاقٍ سطروا بدمائهم معنى الوفاء. نتذكر الشهيد الشاب البطل علي ناصر باجيل، حيث كنا نتسابق بخطوات الوفاء والموقف في صنعاء: من يرفد المقاومة بالأبطال أكثر؟ من يرسل المقاتلين تحت وطأة الخطر؟ وفي ذروة التنافس على الفداء في أكتوبر 2018، ظننا أننا بلغنا منتهى الوفاء، حتى وجدنا أنفسنا أمام عظمة “آل الموسمي”.

هؤلاء لم يتنافسوا على الرتب أو المكاتب، بل بلغ بهم الفخر حدَّ التسابق على حراسة بوابات الخلود. كان شرط كبارهم -وعلى رأسهم الشهيد العميد صالح الموسمي- أن تكون قبورهم عند بوابة المقبرة، ليكونوا في الحياة حراسًا للجمهورية، وفي الموت حراسًا لرفاقهم الشهداء.. أيُّ تضحيةٍ هذه التي تعجز الكلمات عن وصفها؟ وأيُّ تاريخٍ هذا الذي يكتبه من يرى في “القبر” منصةً للفخر؟.

معركة الوطن.. لا “مناطقية” ولا “امتيازات”
إن هذه المقاومة، التي يقودها الفارس طارق صالح، أسقطت كل الأقنعة والمسميات الضيقة. لم تكن يومًا معركة مناطقية، ولن تكون. فالمعيار الوحيد الذي نؤمن به هو “الرصيد في الميدان”، والانعكاس الصادق لعدد الشهداء في المقابر.

لقد أثبتت التجربة أن الوفاء ليس بالانتماء الجغرافي، بل بالدم المسكوب في الساحل والجبل. فبينما كانت صنعاء وسنحان تعانيان من قيد التضليل، ليُزجَّ ببعض أبنائهما في خنادق الأسر، كان الأوفياء من كل المحافظات يبنون مع القائد طارق جسر العبور نحو الجمهورية الثانية.

نستمر.. والعهد هو العهد

في ذكرى التأسيس الثامنة، نجدد العهد لكل قطرة دمٍ سقت تراب الساحل الغربي، ولكل بطلٍ ما زال قابضًا على الجمر. معركتنا مستمرة، وإيماننا بعدالتها أقوى من أي وقتٍ مضى. لن نكلَّ ولن نملَّ حتى تعود اليمن لأهلها، وتظل راية الجمهورية خفاقة، يحميها رجالٌ يرون في بوابة المقبرة شرفًا، وفي الميدان حياة.

الصورة المرفقة من إحدى استراحات جبهة الجاح، نهاية شهر أكتوبر 2018م، مع الأبطال الزملاء من محافظة شبوة الوفاء؛ استُشهد منهم عدد، والبعض لا يزال في مسيرة النضال المستمرة.

اترك تعليقاً