عندما كانت لمياء في السادسة من عمرها، كان التعليم في بداية انتشاره في مملكتنا الحبيبة، كان ذلك في بداية ثمانينيات القرن الماضي.
وكانت طفلةً صغيرة متحمسة، كانت معلماتها في ذلك الوقت من الدول العربية الشقيقة، حيث كانت تتميز بصفتين لا ينكرهما أحد؛ حبُّ العلمِ والشدة. فكانت تذهب كل يوم إلى مدرستها وهي تراجع حفظها من القرآن، لم تكن تعلم ما الذي يدفعها إلى ذلك؛ هل هو الخوف أم حب العلم أم ماذا؟ سؤال ما زالت هي تبحث عن إجابة له حتى الآن.
في يوم من تلك الأيام، قامت المعلمة بتحديد سورةٍ وقالت: غدا سيكون هناك تسميع، وفي الغد سيكون هناك توبيخٌ وضربٌ. تقول لمياء في نفسها: حاولت أن أحفظ الآيات مع معلمتي، لكن لم يحالفني الحظ كثيرًا. رجعت إلى البيت حزينة تفكر في الغد، توجهت إلى أمها وأخبرتها بالسورة التي يجب عليها أن تحفظها، ولكنها نظرت في عيني والداتها وعرفت أن أمها مُحرجةٌ وحزينةٌ؛ لأنها لا تعرف القراءة أو الكتابة، ولكنها طرحت عليها حلًا لتخرجها من ذلك، وقالت لها: سأذهب إلى جارتي الصغيرة، فأبوها يعلمها.
ذهبت لمياء إلى جارتها الصغيرة حاملةً معها مصحفها، عند دخولها عليهم شعرت بالخجل والارتباك، ثم بعدها جلست بضع دقائق، لكنها كانت تشعر بثقل هذه الدقائق وكأنها ساعات. بعد ذلك جاء والد جارتها، وبدأ يقرأُ القرآنَ ويردد، وهما ترددان خلفه، لقد كانت لمياء تستمع وتحاول أن تحفظ وتلتقط كل كلمة يقولها، في حين أن جارتها الصغيرة كانت عكسها تمامًا، لا تدري هل ذلك لأن والدها سوف يساعدها في أي وقت تريد؟ ، ثم بدأ الأب يسمّع لابنته ويترك لمياء، ويعزّزُ ابنته ويحمسها؛ فأحسست لمياء بالضيق وبدأت تشعر بالتهميش والإهانة، شكرت لمياء جارتها ووالدها وخرجت ودموعها تكاد تبلل ملابسها!
هل هو إحساس بالعجز أم بالإهانة، أم كلاهما معًا؟ لم تعد إلى البيت مباشرةً، بل جلست تحت شجرة قريبة من منزلها، مسحت دموعها؛ حتى لا تراها والدتها.
نظرت لمياء إلى السماء وفتحت مصحفها، بدأت تقرأُ وتتهجى. خرجت أمّها من المنزل وهي تشير إليها بلغة الإشارة: هل حفظتِ؟ وضعت لمياء يديها الصغيرتين حول فمها وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ: نعم، الحمد لله. وأشارت أمها إليها بيدها، بمعنى: ماذا تفعلين؟ رفعت لمياء قرآنها إلى الأعلى، بمعنى: أراجع ما حفظت. جلست لمياءُ تتدبر قرآنها حتى مغيب الشمس، تم عادت إلى منزلها، وقد عقدت العديد من العهود على نفسها، كان من ضمن تلك العهود أن تركز وتستمع إلى معلمتها في الحصة، وتعود إلى بيتها وتجلس تحت شجرتها تقرأ مصحفها.
واليوم، نصيحتي لكل مربٍ ومربية، ضمّد جروحَ طلابك؛ فتكسب أجر التعليم وجبر الخواطر.

اترك تعليقاً