بقلم الإعلامي سعود حماد العنزي

كنت أتجول في إحدى منصات التواصل الاجتماعي، أتنقل بين ما ينشره الأصدقاء من صور وعبارات ومواقف، حتى استوقفتني حالة لأحد الأصدقاء الذين أعتز بمعرفتهم، وتعلمت منهم الكثير في الحياة. لم تكن الحالة صورة عابرة، ولا كلمات كُتبت لمجرد النشر، بل كانت عبارة قصيرة تحمل في أعماقها حكايات طويلة:

«متصنّع الودّ تفضحه الشدائد»

تأملت العبارة طويلاً، ليس لجمال صياغتها فحسب، بل لما تحمله من فلسفة عميقة تختصر جانباً مؤلماً من العلاقات الإنسانية؛ ذلك الجانب الذي لا نكتشفه إلا حين تتغير الظروف، وتسقط الأقنعة، وتأتي المواقف لتقول ما عجزت الكلمات عن قوله.

كم من إنسان ظنناه سنداً، فإذا به أول الغائبين حين نحتاج إليه! وكم من علاقة بنيناها على حسن الظن، وسقيناها من صدق المشاعر، ثم اكتشفنا أن ما كنا نراه مودة لم يكن سوى حضور مؤقت تحكمه المصالح والظروف!

فالشدائد لا تغيّر حقيقة الناس، بل تكشف ما كان مستتراً خلف ابتساماتهم ووعودهم.

ولعل أكثر ما يؤلم في الخذلان ليس غياب الأشخاص، بل انهيار الصورة الجميلة التي رسمناها لهم في قلوبنا. نحن لا نحزن دائماً لأن أحدهم ابتعد، بل لأننا أدركنا متأخرين أن المسافة بين ما كنا نعتقده وما كان عليه الواقع أكبر مما تصورنا.

وهنا تكمن فلسفة الخذلان؛ فهو لا يأتي دائماً من عدو نعرف خصومته، وإنما قد يأتي ممن اطمأنت إليهم أرواحنا، وأودعناهم أسرارنا، ومنحناهم مكانة لم نمنحها لغيرهم.

لكن هل كل غياب خذلان؟ وهل كل من لم يقف معنا في الشدة كان متصنّعاً للود؟

ليس بالضرورة.

فالإنصاف يقتضي أن ندرك أن للناس ظروفاً لا نعلمها، ومعارك يخوضونها بصمت، وعجزاً قد يمنعهم من الوقوف معنا رغم صدق محبتهم. غير أن الفارق كبير بين من تمنعه الظروف ويحفظ الود، وبين من تنتهي مودته بانتهاء مصلحته.

المودة الصادقة لا تُقاس بكثرة اللقاءات، ولا بجمال العبارات، وإنما بثبات الموقف حين يصبح الوفاء مكلفاً.

وقد يكون الخذلان، على قسوته، درساً في إعادة ترتيب العلاقات، لا دعوة إلى القطيعة أو إساءة الظن بالجميع. فهو يعلمنا أن نمنح الناس محبتنا دون أن نمنحهم حق التحكم في سلامنا الداخلي، وأن نحسن الظن دون أن نعطل بصيرتنا، وأن ندرك أن بعض العلاقات كانت جميلة في بداياتها، لكنها لم تكن عميقة بما يكفي لتصمد أمام أول اختبار.

ومن أعمق ما يمكن أن نتعلمه أن الإنسان قد يسامح من خذله، لكنه لا يستطيع دائماً أن يعيد إليه المكانة ذاتها؛ فالمسامحة قرار أخلاقي، أما الثقة فهي بناء يحتاج إلى مواقف، وما تهدم منها في لحظة قد لا تعيده سنوات من الكلام.

وأعود إلى تلك الحالة التي استوقفتني، وإلى صاحبها الذي تعلمت منه الكثير، فأجد أن بعض العبارات لا نمر بها مصادفة، بل تأتي لتوقظ في داخلنا أسئلة كنا نؤجل الإجابة عنها.

ولست أعلم ما الذي دفعه إلى نشر تلك الكلمات، ولا أي تجربة تقف خلفها، لكنني أعلم أن العبارة لامست حقيقة إنسانية تستحق التأمل.

فليس كل من اقترب منك أحبك، وليس كل من ابتعد عنك خذلك، وليس كل من أكثر الحديث عن الوفاء كان قادراً على ممارسته.

وفي النهاية، تبقى الشدائد أصدق الموازين، لأنها لا تسأل الناس عما يقولون، بل تكشف ما يفعلون.

وما أقسى أن تكتشف بعد سنوات من الود أن الموقف الذي احتجت فيه إلى إنسان، كان هو الموقف الذي عرّفك بحقيقته.

ومع ذلك، يظل أجمل انتصار على الخذلان ألا نسمح له بأن يسلبنا نقاء قلوبنا؛ فمن خذلنا كشف عن نفسه، وليس من العدل أن نجعل الآخرين يدفعون ثمن خيبته.

فالوفاء لا تصنعه الكلمات، والمودة لا تثبتها الوعود، وإنما تكشف معادن القلوب حين تضيق بنا الحياة.

اترك تعليقاً