بقلم الإعلامية / فاطمة إبراهيم البلوي – تبوك

ليس كل من دخل المستشفى كان يبحث عن دواء فحسب..
بعضهم جاء يبحث عن الطمأنينة، وبعضهم كان يتشبّث ببقية أمل،
وبعضهم لم يكن يريد أكثر من يدٍ تعينه على ما عجز عنه جسده، أو كلمةٍ تشعره بأنه ما زال بخير، رغم كل ما في داخله…

فالمستشفى ليس جدرانًا بيضاء وأسرّةً طبية وممراتٍ مزدحمة بالمراجعين..
إنه المكان الذي يطرق الإنسان بابه حين تضيق به الحياة، ويخذله جسده، ويصبح الألم أكبر من قدرته على الاحتمال…

يدخل المريض وفي قلبه رجاء، كغريقٍ لمح يدًا تمتد إليه..
وكعابرٍ أنهكه الطريق فرأى في نهايته نافذةً يتسلّل منها الضوء..
يترك خلفه مخاوفه للحظة، ويأتي محمّلًا بوجعٍ لا يعرف تفاصيله إلا هو، منتظرًا أن يجد في هذا المكان ما يخفّف عنه، لا ما يضيف إلى أوجاعه وجعًا آخر…

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلًا:

ماذا لو خرج المريض من المستشفى بوجعٍ جديد لم يكن في حساباته..؟؟

ماذا لو كان الألم هذه المرة ليس في جسده، بل في كرامته..؟؟
وماذا لو جاءت القسوة من الشخص الذي كان يفترض أن يكون أكثر تفهّمًا لحالته..؟؟

هنا تبدأ حكاية أخرى لا تظهر في التقارير الطبية، ولا ترصدها أجهزة الفحص…

فالمريض لا يدخل المستشفى بجسده وحده.
. يأتي ومعه ليالٍ طويلة من الألم، ومواعيد أنهكت انتظاره، ومخاوف يحاول إخفاءها عن أحبّته..
يأتي وفي داخله معارك لا يسمع ضجيجها أحد، وربما كانت ابتسامته التي يستقبل بها الآخرين آخر ما تبقّى له من قدرته على التماسك..

وخلف كل مراجع حكاية لا يعرفها العابرون…

هناك من يستند إلى قوته بصعوبة.. وهناك من يخفي إعاقة لا تراها العين..
وهناك من أصبح عاجزًا عن أداء أبسط تفاصيل حياته دون مساعدة..
وهناك من يبدو واقفًا أمامك بكامل عافيته، بينما يخوض في داخله حربًا لا يعلم عنها أحد..

ليس كل ألمٍ مرئيًا..
وليس كل عجزٍ يُقاس بما تراه العين..
وليس كل صامتٍ بخير..

وهنا تحديدًا ينبغي أن نفهم طبيعة التعامل مع المرضى والمراجعين…

فالموظف الذي يقف أمام المريض لا يقف أمام رقمٍ في قائمة انتظار..
ولا معاملةٍ ينبغي التخلص منها..
بل أمام إنسانٍ قد يكون استنفد المرض معظم قوته، ولم يبقَ له من الصبر إلا ما يعينه على عبور تلك اللحظة..

قد تكون كلمة الموظف عابرة في يومه، لكنها ليست بالضرورة عابرة في قلب المريض…

وقد تكون نبرة الصوت بالنسبة إلى قائلها مجرد أسلوب حديث، لكنها بالنسبة إلى شخصٍ أنهكه المرض قد تكون صفعةً معنوية لا تُنسى…

كم من موقفٍ صغير انتهى بالنسبة إلى صاحبه بمجرد مغادرته المكان، لكنه ظلّ عالقًا في ذاكرة المريض..
يستعيده في طريق عودته، وربما يرويه لأحبّته، لا لأنه موقفٌ يستحق كل هذا الحزن في ظاهره، بل لأنه وقع في لحظة كان فيها أحوج ما يكون إلى الرفق..

وهنا يبرز سؤال آخر:

لماذا يُضطر المريض أحيانًا إلى شرح عجزه..؟؟
ولماذا عليه أن يثبت أنه متعب..؟؟
ولماذا يصبح مطالبًا بتبرير احتياجه للمساعدة..؟؟

أليس من المؤلم أن يصل الإنسان إلى المكان الذي ينتظر منه العون، ثم يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن حالته، وكأن المرض لا يكفي لإثبات حاجته..؟؟!

إن بعض المرضى لا يستطيعون الحركة بالسرعة التي يريدها الآخرون..
وبعضهم لا يملك القدرة على الوقوف طويلًا..
وبعضهم يعجز عن أداء تصرفات بسيطة يراها الشخص السليم أمرًا عاديًا..

فما يبدو سهلًا أمامك قد يكون معركة كاملة بالنسبة إلى غيرك…

ومن هنا تبدأ مسؤولية العاملين في القطاع الصحي…
لا من باب تقديم الخدمة فقط، بل من باب فهم الإنسان الذي يتلقّاها..

فالمهنية..
ليست صوتًا مرتفعًا، ولا نظراتٍ متجهمة، ولا تعليماتٍ تُلقى بحدّة..
المهنية..
أن تؤدي عملك بإتقان، وتحافظ في الوقت نفسه على كرامة من يقف أمامك.

النظام لا يحتاج إلى قسوة كي يُطبّق.. والحزم لا يعني الجفاء..
والاحترام لا ينتقص من هيبة الموظف، بل يكشف عن رقيّه وثقافته وقدرته على التعامل مع اختلاف البشر..

نحن ندرك أن ضغط العمل ليس أمرًا سهلًا..
وندرك أن كثرة المراجعين والإرهاق وتراكم المسؤوليات قد تضع الموظف أمام ظروفٍ صعبة تستحق التقدير..
لكن..
هل ينبغي أن يدفع المريض ثمن هذا الضغط..؟!

هل يصبح المراجع الحلقة الأضعف التي تُفرّغ فيها مشاعر الغضب والتعب..؟!

المريض متعب أيضًا…
وربما جاء من منزلٍ لم ينم فيه جيدًا، أو من رحلة علاجٍ طويلة، أو من معاناةٍ لا يعرف عنها الموظف شيئًا..
وربما كان ينتظر تلك الزيارة منذ أسابيع، وجاء إليها بكل ما تبقّى لديه من قدرة..

لذلك..
ليس المطلوب أن يعرف الموظف تفاصيل حياة كل مريض، ولا أن يحمل أوجاع الناس جميعًا على كتفيه..
المطلوب فقط أن يتعامل بوعيٍ واحترام، وأن يتذكر أن اختلاف القدرة بين البشر ليس خطأً يستوجب اللوم، وأن المرض ليس اختيارًا، وأن طلب المساعدة ليس انتقاصًا من كرامة الإنسان…

يمكن تصحيح الخطأ دون تجريح..
ويمكن توضيح التعليمات دون إهانة..
ويمكن تطبيق الأنظمة دون أن يشعر المراجع بأنه عبءٌ ثقيل على المكان..

فالرحمة لا تعني مخالفة النظام، والاحترام لا يعني التنازل عن المهنية..

ولعل أكثر ما يستحق الالتفات إليه أن الواجهة الصحية لا تقتصر على الطبيب والممرض..
فموظف الاستقبال، ورجل الأمن، وموظف الخدمات المساندة، وكل من يتعامل مع المراجعين، يمثل جزءًا من التجربة الصحية…

قد تكون أول كلمة يسمعها المريض عند دخوله هي التي تمنحه شيئًا من الطمأنينة..
وقد تكون آخر كلمة يسمعها قبل مغادرته هي التي تبقى في ذاكرته طويلًا..

فما فائدة أن يجد المريض أجهزةً حديثة ورعايةً طبية متقدمة، ثم يفقد شعوره بالاحترام في أبسط تفاصيل التعامل..؟!

إن جودة الرعاية الصحية لا تُقاس بالأجهزة وحدها، ولا بسرعة إنجاز المواعيد، ولا بكفاءة الإجراءات فحسب..
فهذه جميعها ضرورية، لكنها تظل ناقصة حين يغيب عنها الجانب الإنساني…

الرعاية الحقيقية أن يشعر المريض بأنه إنسان قبل أن يكون حالةً طبية..
وأن تُحترم ظروفه قبل أن يُطلب منه الالتزام بالتعليمات..
وأن يجد من يفهم حاجته دون أن يضطر إلى كشف كل ما يؤلمه..

ومن المهم أن تكون مهارات التواصل والاحتواء جزءًا أساسيًا من تدريب العاملين وتقييم أدائهم..
وأن تُؤخذ شكاوى سوء المعاملة بجدية وعدالة…
فالموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص يستحق الإنصاف والتقدير، والمراجع الذي يتعرض للإساءة يستحق أن يُسمع صوته، وأن تُصان كرامته..

فالمؤسسة الراقية ليست التي لا تقع فيها الأخطاء، بل التي لا تتجاهلها حين تقع، وتسعى إلى معالجتها دون أن تُهدر حق أحد..

ولعل أكثر ما يوجع في هذه الحكاية أن المريض قد يغادر المستشفى وهو يحمل ألمًا يعرف مصدره، وآخر لا يعرف كيف يشرحه..

الأول قد يجد له علاجًا، أما الثاني فقد يظل عالقًا في ذاكرته كلما تذكّر أنه في اللحظة التي احتاج فيها إلى الرفق، وجد القسوة..

بعض الدموع لا تسقط أمام الناس…
وبعض المواقف لا تستغرق سوى دقائق، لكنها تترك في الروح أثرًا يمتد طويلًا..
فما أقسى أن يُجرح الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا، وأن يُطالَب بالقوة حين يكون كل ما فيه يطلب شيئًا من الرحمة..

وليس كل من غادر المستشفى صامتًا قد نسي ما حدث..
فهناك من يبتلع عتبَه احترامًا للمكان، وهناك من لا يملك طاقةً إضافية للدخول في نقاش، وهناك من يكتفي بالصمت لأن وجعه أكبر من أن يشرحه…

إن المريض لا يحتاج إلى من يذكّره بما فقده من قوته، بل إلى من يحترم ما تبقّى منها..

فخلف كل مريض إنسانٌ كانت له حياةٌ كاملة قبل أن يطرق المرض أبوابها..
كانت له أحلامه، واهتماماته، وأيامه التي يمضي فيها دون أن يحتاج إلى مساعدة أحد..
ثم جاء المرض فبدّل تفاصيله، وأربك خطواته، وجعله يستعين بالآخرين في أمورٍ لم يكن يتخيّل يومًا أنه سيحتاج فيها إلى العون..

وما أقسى أن يفقد الإنسان شيئًا من قدرته، ثم يشعر أن الآخرين لم يعودوا يرونه إلا من نافذة عجزه، متناسين أن المرض قد يغيّر الجسد، لكنه لا ينتقص من قيمة الإنسان، ولا يسلبه حقه في الاحترام..

لسنا مطالبين بأن نداوي أوجاع البشر جميعًا، ولا أن نمنح كل مريض نهايةً سعيدة لحكايته..
لكننا مطالبون بألّا نكون فصلًا مؤلمًا جديدًا في حكاية أثقلها المرض…

إذا عجزنا عن إزالة الألم، فلا نضاعفه..
وإذا لم نملك دواءً يبرئ الجسد، فلا نترك في الروح جرحًا إضافيًا…

فربما كانت كلمة طيبة سببًا في أن يكمل مريض يومه بشيءٍ من الطمأنينة..
وربما كان موقفٌ راقٍ كافيًا ليشعر إنسانٌ أنه لم يفقد مكانته في هذه الحياة لمجرد أنه أصبح مريضًا..

وفي النهاية…

ليس أصعب ما يواجه المريض دائمًا هو المرض نفسه، بل تلك اللحظات التي يشعر فيها أن عليه أن يحارب ألمه، ويدافع عن عجزه، ويشرح ظروفه، ويطالب بحقه في التعامل الإنساني..

جاء يبحث عن العافية، وكان يأمل أن يعود أخفّ وجعًا..
لكنه أحيانًا يغادر حاملًا ألمًا جديدًا، لا يعرف كيف يصفه، ولا أين يضعه، ولا كيف يتخلّص من أثره…

فما قيمة خدمةٍ تصل إلى الجسد، إذا كان الطريق إليها قد ترك في الروح جرحًا أعمق من أن يُرى..؟؟!

إن رقيّ المؤسسات الصحية لا يظهر فقط في قدرتها على علاج المرض، بل في قدرتها على احتضان الإنسان حين يضعف، وصون كرامته حين يحتاج، وتذكّر أن المريض قد ينسى تفاصيل العلاج، لكنه لن ينسى أبدًا كيف عومل في أكثر لحظاته احتياجًا…

اترك تعليقاً