بقلم: د. رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– ثمة لقاءات لا تُقاس بساعاتها، ولا تُختصر في تفاصيلها، لأنها توقظ في النفس أعوامًا من الذكريات، وتعيد إلى القلب دفء أيام مضت، وتجمع الوجوه التي فرّقتها مشاغل الحياة، لكنها لم تستطع أن تُطفئ ما بينها من مودة ووفاء.
ومن أجمل هذه اللقاءات تلك التي تجمع رفاق المهنة بعد سنوات من العطاء، حين تخفّ أعباء العمل، وتبقى ذكرياته الجميلة حاضرة في الوجدان، شاهدةً على رحلة طويلة من الجد والاجتهاد، والمواقف الإنسانية التي صنعت بين الزملاء روابط أعمق من حدود الوظيفة ومواعيد الدوام.
وفي بادرة أخوية تستحق التقدير، دعا الدكتور عبدالعزيز بن عثمان الفالح، رجل التربية والتعليم الذي أمضى أربعة عقود من عمره في خدمة الميدان التربوي، أحبابه وزملاء دربه إلى لقاء أخوي في بيته العامر بحي الفلاح في مدينة الرياض؛ ليصنع من الأمسية مساحةً للوفاء، ويفتح نوافذ الذاكرة على أيام جميلة عاشها رفاق المهنة معًا.
وكان لي شرف الحضور والمشاركة في هذه المناسبة التي لم تكن مجرد اجتماع لزملاء سابقين، بل كانت لقاءً للأرواح التي ألفت بعضها في ميادين التربية والتعليم، وتقاسمت سنوات العمل، وعرفت من المواقف والتجارب ما جعل للزمالة معنى يتجاوز حدود المكان والزمان.
هناك، لم تكن الأحاديث بحاجة إلى مقدمات طويلة، ولم تكن الوجوه بحاجة إلى التعارف؛ فبين الحاضرين تاريخ مشترك، ومواقف لا تزال حاضرة في الذاكرة، وحكايات كلما استُعيدت أشرقت معها الابتسامة، وانطلقت الضحكات، وعادت إلى النفوس بعضٌ من ملامح الزمن الجميل.
تتنقل الأحاديث بين ذكريات الميدان التربوي، ومواقف العمل، وأسماء الزملاء، وأخبار الغائبين، ثم تمضي إلى السؤال عن الصحة والأحوال، في مشهد إنساني تختلط فيه فرحة اللقاء بشيء من الحنين إلى أيام مضت، لكنها تركت في النفوس أثرًا لا يمحوه تقادم السنين.
ما أجمل لقاء الأحبة بعد التقاعد!
تلك المرحلة التي يظن بعضهم أنها نهاية فصل من الحياة، فإذا بها تفتح أبوابًا جديدة للتواصل، وتمنح الإنسان فرصة ليرى رفاق دربه بعيدًا عن ضغوط العمل ومسؤولياته، فيلتقي بهم لا لإنجاز مهمة، ولا لمناقشة معاملة، وإنما لأن الشوق دعاهم، ولأن المودة التي جمعتهم تستحق أن تُروى فصولها من جديد.
في مثل هذه اللقاءات ندرك أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد سنوات عمله ليس المنصب الذي شغله، ولا المهام التي أنجزها فحسب، بل الوجوه التي أحبته، والقلوب التي احتفظت له بمكان، والزملاء الذين ما زالوا يذكرونه بخير، ويجدون في لقائه سعادة لا تمنحها مشاغل الحياة اليومية.
ولعل هذه هي الثمرة الأجمل لسنوات العطاء في ميدان التربية والتعليم؛ أن يخرج المرء منها وقد كسب العلم والخبرة، وترك أثرًا في الأجيال، وبنى علاقات إنسانية تظل ممتدة حتى بعد أن يترجل عن مسؤوليات العمل.
أما أبو سليمان، الدكتور عبدالعزيز بن عثمان الفالح، فقد أضاف إلى سجله التربوي الحافل صفحةً أخرى من صفحات الوفاء، حين جمع زملاء الأمس في منزله، وأحسن استقبالهم، وأغدق عليهم من كرمه وحسن ضيافته وجميل معشره، فكان اللقاء انعكاسًا لما ينبغي أن تبقى عليه العلاقة بين رفاق المهنة: محبة صادقة، وتواصل مستمر، وتقدير متبادل لسنوات العطاء.
إن الوفاء للزملاء لا يحتاج إلى مناسبة رسمية، ولا إلى دعوة كبيرة؛ فقد تكفي مبادرة صادقة من رجل وفيّ لتجمع قلوبًا فرّقتها الأيام، وتعيد إلى المجالس دفئها، وإلى الذاكرة أجمل ما فيها.
شكرًا لأبي سليمان، الذي لم يكتفِ بأن يكون رفيقًا في درب التربية والتعليم، بل كان صاحب مبادرة أعادت جمع الرفاق على مائدة المحبة، وأثبتت أن العلاقات الجميلة لا تتقاعد، وأن القلوب التي اجتمعت على الخير لا تباعد بينها السنوات.
ولعل أجمل ما نخرج به من هذه الأمسية أن بعض العلاقات تزداد قيمة مع مرور الزمن؛ فبعد أن كانت تجمعنا مكاتب العمل وممرات المدارس ومجالس التربية، أصبح يجمعنا الحنين، وتظلّلنا الذكريات، وتدفعنا المودة إلى السؤال واللقاء.
سلامٌ على أيام العمل التي جمعتنا، وسلامٌ على الرفاق الذين جعلوا منها حكايات جميلة، وسلامٌ على كل رجل يمدّ جسور المحبة بعد أن تنقضي سنوات المسؤولية.
وستبقى التربية والتعليم أكثر من مهنة مارسناها؛ ستبقى ذاكرة عمر، ورفقة درب، وأثرًا إنسانيًا جميلًا، كلما اجتمع الأحبة أعادوا إليه الحياة.
فشكرًا لك أبا سليمان، وشكرًا لكل قلب وفيّ يؤمن بأن أجمل ما في العمر ليس ما مضى من سنواته، بل من بقي فيه من أحبة، وما ظلّ بيننا من مودة ووفاء.