د. وسيلة محمود الحلبي
في مشهد إنساني وثقافي يجمع أصالة الماضي بوعي الحاضر، شاركت جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة في مبادرة «جسور الأجيال»، التي نظمتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض بالتعاون مع مجلس شؤون الأسرة، وبمشاركة جمعية كبار للمسنين، وذلك في «سكة الأطعمة» بمنطقة قصر الحكم التاريخية، بالتزامن مع اليوم العالمي للمسنين، وعلى مدى يومين متتاليين.
وجاءت المشاركة بحضور صاحبة السمو الملكي الأميرة سلطانة بنت بدر آل سعود، المستشارة في الهيئة الملكية لمدينة الرياض، وعدد من موظفات جمعية كيان، وموظف من جمعية كبار للمسنين، في مبادرة نوعية هدفت إلى مد جسور التواصل بين الأطفال والناشئة وكبار السن، وتعزيز التقارب بينهم من خلال اللقاءات التفاعلية، وتبادل القصص والتجارب والخبرات، واستحضار القيم الأصيلة التي شكّلت ملامح المجتمع السعودي عبر الأجيال.

وتأتي مشاركة جمعية كيان في هذه المبادرة امتدادًا لرسالتها الإنسانية والتنموية في تمكين مستفيديها، والاهتمام ببناء شخصياتهم المتوازنة، وتعزيز وعيهم الاجتماعي والثقافي، إلى جانب إتاحة الفرص أمامهم للتعلم من تجارب الآخرين، والاستفادة من خبرات كبار السن الذين يمثلون ذاكرة المجتمع ومرجعية غنية بالحكمة والمعرفة.
ولم تقتصر مشاركة أبناء كيان على الحضور والمشاهدة، بل أتاحت لهم المبادرة تجربة حية للتعرف على عادات المجتمع السعودي وتقاليده، ومجالس الأجداد، وآداب السلام والضيافة، والتعامل مع الجيران، والألعاب الشعبية، والمأكولات التراثية؛ بما يسهم في ترسيخ القيم الإسلامية والاجتماعية، وتعميق الانتماء إلى الهوية الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية.
وتؤكد هذه المشاركة حرص جمعية كيان على تنويع التجارب التي تقدمها لمستفيديها، بحيث تتجاوز حدود الرعاية المباشرة إلى بناء الوعي، وتنمية المهارات الاجتماعية، وتعزيز التواصل بين الأجيال، وصناعة ذكريات إيجابية تسهم في إثراء تجاربهم الحياتية.
ثلاثة مجالس تستحضر أصالة المجتمع السعودي
وأوضح الأستاذ محمد مصلح الزهراني، مدير الشراكات والفعاليات بجمعية كبار للمسنين، أن مبادرة «جسور الأجيال» أُقيمت بالتزامن مع اليوم العالمي للمسنين، وشهدت تنظيم ثلاثة مجالس على مدى يومين، بمشاركة كبار السن وأبناء جمعية كيان، في تجربة تفاعلية استهدفت نقل العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية من جيل إلى آخر.
وأضاف أن المجالس بدأت بالتعريف بأصول السلام على كبار السن، مع توضيح الاختلاف بين طريقة سلام الرجال وطريقة سلام النساء، ثم تنقّل الأبناء بين المجالس الثلاثة للتعرف على أساليب استقبال الضيوف، وآداب الضيافة، وطرق تقديم القهوة السعودية، وأصول التعامل مع الجيران، إلى جانب مجلس الأحاجي والأمثال الشعبية الذي استعاد جانبًا من الموروث الشفهي والثقافي.
وشملت التجربة الانتقال إلى منطقة الألعاب الشعبية، حيث تعرّف الأبناء على ألعاب الزمن الماضي، ومنها لعبة المثاقيل والخمس حجارة، في أجواء استحضرت ذكريات الطفولة لدى كبار السن، ومنحت الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على وسائل الترفيه التي كانت حاضرة في حياة الآباء والأجداد قبل انتشار الألعاب الحديثة.
وامتدت الجولة إلى منطقة المطاعم، حيث توقف المشاركون في مطعم طويق، وأُتيحت لهم فرصة التفاعل البصري والحسي مع مراحل إعداد الأطعمة، والتعرف على طرق إعداد القهوة السعودية، والخبز، وعدد من الأطباق الشعبية، مثل الجريش والقرصان، فضلًا عن التعرف على أنواع القهوة وطرق إعدادها التي تتنوع باختلاف مناطق المملكة.
كما تجوّل الأبناء بين مقتنيات الماضي، واستمعوا إلى قصص الأولين وتجاربهم، في رحلة جمعت بين المتعة والمعرفة، وقدّمت التراث في صورة حية وتفاعلية، تساعد على ترسيخ المفاهيم الثقافية في أذهان الناشئة، وتعزيز تقديرهم لما يحمله الماضي من خبرات وقيم وعادات أصيلة.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أنها لم تكتفِ بعرض التراث بوصفه موروثًا تاريخيًا، بل جعلته ممارسة حية يتفاعل معها الأبناء، ويتعلمون من خلالها آداب الحياة الاجتماعية، واحترام كبار السن، وتقدير خبراتهم، والاعتزاز بالهوية السعودية.
وتبقى رسالة جمعية كيان في مثل هذه المبادرات أعمق من مجرد المشاركة؛ فهي إسهام في بناء الإنسان، وتعزيز هويته، وغرس قيم الوفاء والاحترام والانتماء في نفوس الأبناء، ليظل الماضي حاضرًا في وجدانهم، وتنتقل أصالة الأجداد إلى الأجيال القادمة جسرًا من المحبة والمعرفة والعطاء.
هذا وتُعد «سكة الأطعمة» وجهة متكاملة تثري منطقة قصر الحكم التاريخية، وتجمع بين الأبعاد السياحية والثقافية والتجارية، وتسهم في إعادة ربط النسيج الاجتماعي بالمنطقة التاريخية، من خلال تجربة تفاعلية تجمع عشاق المذاقات المحلية والعالمية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.