طلال بن فهد- الرياض
كتبت الأستاذة فاطمه القحطاني مقالًا بعنوان «أهل نجران.. مواقف وعراقة»، تناولت فيه أصالة المجتمع النجراني وما يتميز به من كرم وشهامة ووفاء، مسلّطةً الضوء على إرث المنطقة الحضاري ودور أهلها في مسيرة التنمية والمحافظة على هويتها الثقافية. وفيما يلي نص المقال :
للمدن تاريخٌ تكتبه الشواهد ، وللأوطان ذاكرةٌ على مر الأجيال ، لكن بعض الحكايات يكتبها الإنسان بمواقفه قبل الكتب .. وفي نجران ، ظل أهلها على امتداد السنين جزءًا أصيلًا من حكايتها .. يحملون قيمًا توارثوها جيلًا بعد جيل ، ويتركون في مواقفهم صورةً واضحة لمجتمعٍ يعتز بأصالته ، ويتمسك بعاداته ، ويفتح أبوابه للضيف ، ويجعل من الكرم والشهامة والوفاء سلوكًا يُمارس لا صفةً تُقال ..
في نجران ، للكرم معنى يتجاوز المائدة ، فهو كرم الموقف والكلمة والوقوف مع الآخر والفزعه .. وفي مجالس أهلها تتوارث الأجيال قيمًا لم تغيّرها تحولات الزمن ، احترام الكبير ، وإكرام الضيف ، ونصرة المحتاج ، والاعتزاز بالجار ، والمحافظة على الروابط الاجتماعية .. وهي صفات لم تبقَ حكايات تُروى عن الماضي ، بل ما زالت حاضرة في المجتمع النجراني حتى اليوم ..
ولعل ما يمنح هذه المنطقة خصوصيتها أن حاضرها لم ينفصل يومًا عن ماضيها ، فآثار الأخدود ، وموقع حِمى ، والقصور والمباني الطينية والنقوش والشواهد التاريخية.. جميعها تحكي عن أرضٍ ذات امتداد حضاري عميق ، وعن أجيال تعاقبت عليها وتركت إرثًا بقي شاهدًا على تاريخها ..
وأهل نجران لم يكتفوا بالفخر بتاريخهم ، بل أسهموا في المحافظة عليه ونقله إلى الأجيال القادمة ، فالإرث بالنسبة لهم ليس مجرد شواهد قديمة ، وإنما جزء من الهوية والذاكرة .. ومن هنا يأتي حرص المجتمع على تراثه وعاداته وموروثه العمراني والثقافي ، ليبقى حاضرًا رغم ما تشهده المنطقة من تطور متسارع ..
وفي السنوات الأخيرة ، شهدت نجران مسيرة تنمية واضحة ، كان فيها الإنسان شريكًا في صناعة المكان .. ومع ما تحظى به المنطقة من دعم القيادة الرشيدة ، جاءت متابعة صاحب السمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد ، أمير منطقة نجران ، للمشروعات التنموية والعمرانية والثقافية لتدفع باتجاه المحافظة على هوية نجران وفي الوقت نفسه تطوير حاضرها ..
وكان لأهالي نجران دورهم في هذه المسيرة من خلال تعاونهم وتفاعلهم مع المبادرات والمشروعات التي تخدم المنطقة ، وإسهامهم في مختلف المجالات .. فالتنمية الحقيقية لا يصنعها المشروع وحده ، بل يصنعها الإنسان المسئول تجاه مدينته ومجتمعه ووطنه ..
وهنا تظهر إحدى أجمل سمات المجتمع النجراني : قدرته على الجمع بين الأصالة والتطور ، فالبيت الطيني والنقش القديم والموروث الشعبي لا تتعارض مع الجامعة والمشروع الحديث والمبادرة المهنية .. بل تتجاور جميعها لتصنع هوية منطقة تعرف قيمة تاريخها ، وفي الوقت ذاته تتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارًا
ولم يكن التطور في نجران عمرانيًا فقط ، بل امتد إلى الإنسان والتعليم والعمل والثقافة والأدب .. فالمشهد الثقافي يشهد حضورًا للمثقفين والكتّاب والشعراء والإعلاميين والفنانين ، إلى جانب الجمعيات والمبادرات والفعاليات التي تسهم في اكتشاف المواهب وإبراز الهوية الثقافية والأدبية للمنطقة ..
كما أن الحراك المهني والثقافي الذي تشهده نجران يعكس طموح أبنائها وبناتها ، وحرصهم على أن يكون لهم حضور فاعل في مسيرة التنمية .. ومن الجميل أن نرى هذا الحضور يتسع في الأدب والإعلام والثقافة وريادة الأعمال والعمل المجتمعي ، ليؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان ..
وهذا الحراك لا يصنعه طرف واحد ، وإنما تصنعه شراكة بين قيادة تؤمن بأهمية الإنسان والمكان ، ومجتمع يتفاعل ويشارك ويقدم أبناءه وبناته في مختلف المجالات .. ومن هنا يمكن قراءة العلاقة بين أمير المنطقة وأهل نجران باعتبارها علاقة تعاون ومسؤولية مشتركة تجاه حاضر المنطقة ومستقبلها ..
فأهل نجران الذين حافظوا على إرث آبائهم وأجدادهم هم أنفسهم الذين يشاركون اليوم في بناء نجران الحديثة ، في مؤسساتها ومشروعاتها ومبادراتها الثقافية والمهنية .. يتغير شكل المدينة ، وتتسع طرقها ، وتتطور مرافقها ، لكن تبقى في داخلها تلك الروح النجرانية التي تحمل قيم الماضي وطموح الحاضر
أهل نجران مواقف وعراقة ، لأن عراقة المجتمعات لا تقاس بعمر شواهدها وحدها ، وإنما بأخلاق أهلها ، ومواقفهم ، ووفائهم لأرضهم ، وقدرتهم على المحافظة على هويتهم وهم يمضون نحو المستقبل ..
ومن يعرف أهل نجران عن قرب ، يعرف أن الكرم لديهم ليس مناسبة ، وأن الوفاء ليس شعارًا ، وأن الانتماء لأرضهم يظهر في مواقفهم قبل كلماتهم ..
وهكذا كان أهل نجران ، وهكذا يواصلون مسيرتهم ،
قيمٌ توارثتها الأجيال ، ومواقف تحفظها الذاكرة ، وعراقةٌ صنعتها السنين ، وطموحٌ يليق بنجران وأهلها ..