د. وسيلة محمود الحلبي

في وقتٍ تتسارع فيه دول العالم لمواجهة السمنة باعتبارها أحد أكبر التحديات الصحية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز منظومتها الوقائية من خلال مبادرات وطنية تسهم في رفع الوعي والكشف المبكر والحد من الأمراض المزمنة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرنامج تحول القطاع الصحي.

                                                       

وتشير بيانات المرصد العالمي للسمنة إلى أن المملكة تأتي ضمن الدول العشرين الأعلى عالميًا في انتشار السمنة بين البالغين، فيما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدلات السمنة عالميًا تضاعفت أكثر من مرتين منذ عام 1990، مع تجاوز عدد البالغين المصابين بالسمنة 890 مليون شخص، الأمر الذي دفع الحكومات إلى تبني استراتيجيات وطنية شاملة تركز على الوقاية قبل العلاج.

وأوضحت تقارير الاتحاد العالمي للسمنة أن العبء الاقتصادي العالمي الناتج عن زيادة الوزن والسمنة مرشح لتجاوز 4.32 تريليونات دولار سنويًا بحلول عام 2035، أي ما يعادل نحو 16.2 تريليون ريال سعودي، نتيجة ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وزيادة الإصابة بالأمراض المزمنة، وانخفاض إنتاجية القوى العاملة، والوفيات المبكرة، وهو ما جعل الوقاية من السمنة استثمارًا اقتصاديًا تتبناه الحكومات إلى جانب كونه أولوية صحية.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن العبء العالمي للسمنة يعادل في المتوسط نحو ألف دولار (3,750 ريالًا سعوديًا) سنويًا لكل شخص متأثر عند احتساب التكاليف المباشرة وغير المباشرة، بما يشمل العلاج، والأدوية، والاستشفاء، وخسائر الإنتاجية والغياب عن العمل، فيما ترتفع التكلفة بصورة أكبر لدى المرضى الذين يعانون مضاعفات مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.

وفي المملكة، يقدر المرصد العالمي للسمنة أن الأثر الاقتصادي لزيادة الوزن والسمنة بلغ نحو 73.5 مليار ريال سعودي في عام 2019، مع توقعات بارتفاعه خلال العقود المقبلة إذا لم تستمر الجهود الوقائية، الأمر الذي يعزز أهمية المبادرات الوطنية الهادفة إلى الحد من عوامل الخطورة قبل تطور المرض.

وفي هذا الإطار، تواصل حملة «وطن بلا سمنة» جهودها التوعوية والميدانية برعاية شركة ليلي السعودية الطبية، وتنفيذ شركة الريادة الماسية، وتحت الإشراف الفني لوزارة الصحة وجمعية وقاية، فيما تتولى جمعية قلب لرعاية مرضى القلب الإشراف العام على الحملة بصفتها الجهة الحاصلة على التصريح الرسمي والمنظمة للمبادرة، في نموذج يعكس تكامل الأدوار بين القطاع الحكومي والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص لتعزيز صحة المجتمع.

وحققت الحملة حتى الآن أكثر من 240 ألف مستفيد من خلال الفحوصات الوقائية، وقياس مؤشر كتلة الجسم، والتثقيف الصحي المباشر، في إطار جهودها الرامية إلى رفع الوعي بمخاطر السمنة، وتعزيز أنماط الحياة الصحية، وتشجيع الكشف المبكر، بما يسهم في الحد من الإصابة بالأمراض المزمنة، وفي مقدمتها أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية أن الاستثمار في الوقاية من السمنة يحقق عوائد تتجاوز القطاع الصحي، إذ ينعكس على رفع إنتاجية المجتمع، وتقليل الإجازات المرضية، وخفض الإنفاق على علاج الأمراض المزمنة، وتحسين جودة الحياة، وهو ما جعل العديد من الدول التي سجلت أقل معدلات السمنة، مثل اليابان وسويسرا وكوريا الجنوبية، تعتمد سياسات طويلة المدى تقوم على التوعية المستمرة، والكشف المبكر، وتعزيز النشاط البدني، وتحسين البيئة الغذائية.

وتجسد حملة «وطن بلا سمنة» هذا التوجه الوطني من خلال توسيع نطاق الوصول إلى أفراد المجتمع، وترسيخ مفهوم أن الوقاية ليست مسؤولية القطاع الصحي وحده، بل مسؤولية مجتمعية مشتركة تسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وحيوية، وتعزز كفاءة الإنفاق الصحي، وتدعم مستهدفات جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030.

اترك تعليقاً