فاطمة إبراهيم البلوي

أشعر بالغربة وسط هذا المجتمع..لا لأنني مختلفة عن البشر… بل لأنني لم أتعلم كيف أكون مزيفة مثلهم..

لم أتعلم كيف أضحك في وجه من لا أطيقه..أو كيف أُبالغ في المحبة لأشخاصٍ لا يعنون لي شيئًا..أو كيف أرتدي ألف قناعٍ في اليوم الواحد فقط لأحصل على القبول..

أراقبهم بصمت..فأجد أن أكثرهم ادعاءً للمثالية هم أكثرهم سقوطًا حين تُغلق الأبواب…

يتحدثون عن النقاء..

بينما قلوبهم مليئة بالحسد..

يتحدثون عن الوفاء..وهم أول من يبيع العِشرة عند أول مصلحة…

يتحدثون عن الأخلاق..ثم ينهشون سمعة غيرهم بكل قسوةٍ ما إن يغيبوا…

كم هو مرعب أن يتحول النفاق في هذا الزمن إلى مهارة اجتماعية يُمدَح صاحبها..بينما يُنظر إلى الصادق وكأنه شخصٌ وقح لأنه لا يُجيد التمثيل..

يريدونك أن تكون نسخةً مطابقة لهم..

أن تُجامل حتى الاختناق..

أن تصمت حين تُهان..

أن تُظهر الحب ولو كان قلبك فارغًا..

أن تبتلع انزعاجك كي لا يخسروا صورتهم اللامعة أمام الناس…

أما أنا… فلا أستطيع..

لا أستطيع أن أمدح شخصًا لا أرى فيه ما يستحق المدح..

لا أستطيع أن أتقن الكذب تحت اسم “الذوق”..

ولا أستطيع أن أبيع صدقي مقابل مكانٍ بين أناسٍ يعيشون حياتهم كلها داخل مسرحٍ طويل من التصنع…

أرهقني هذا العالم الذي يقدّس المظاهر أكثر من الأرواح..

عالمٌ يكفيه أن تبتسم له حتى لو كنت تحمل في داخلك ألف خنجر..

لا أحد يريد الحقيقة..

لأن الحقيقة تُزعجهم..

وتفضح هشاشتهم..

وتُسقط الأقنعة التي تعبوا في تثبيتها على وجوههم…

هم لا يحبون الإنسان الصادق..بل يحبون الإنسان السهل…

الذي ينافقهم..

ويصفق لهم..

ويمنحهم الشعور بأنهم رائعون حتى وهم في قاع السوء…

أما الصادق..

فيخيفهم..لأن حضوره يذكّرهم بكل الزيف الذي يعيشونه…

أصبحت العلاقات اليوم قائمة على التمثيل أكثر من المشاعر..

كلمات حبٍ تُقال بلا إحساس..

ضحكاتٌ مصطنعة..

اهتمامٌ مؤقت ينتهي بانتهاء المصلحة..

وأشخاصٌ يغيّرون وجوههم حسب المكان الذي يقفون فيه…

الأسوأ من ذلك…

أنهم يُحاولون إقناعك أن هذا أمر طبيعي..وأن عليك أن تصبح مثلهم كي “تعيش بسلام”..

وكأن السلام الحقيقي يعني أن تخون نفسك كل يوم، وأن تكتم حقيقتك حتى تختنق..

وأن تتحول إلى شخصٍ لا يشبهك فقط كي يصفق لك الآخرون..

لكنني لن أفعل..

لن أتنازل عن وضوحي لأجل مجتمعٍ يُكافئ الكذب…

لن أتعلم النفاق حتى لو بقيت وحيدة…

فالوحدة أرحم ألف مرة من صحبةٍ تُبنى على المصالح..

ومن قلوبٍ لا تعرف الصدق إلا حين تحتاج شيئًا..

لقد سئمت من الأشخاص الذين يرتدون الطيبة كزيٍّ رسمي أمام الناس..

ثم يخلعونه عند أول خلاف..

سئمت من الذين يتحدثون عن الإنسانية وهم أكثر من يُؤذي..

وعن الاحترام وهم أول من يجرح..

وعن الحب وهم عاجزون حتى عن الصدق..

وأقسم أن أكثر ما يقتل الروح..

ليس العداء الواضح…

بل الودّ الكاذب..

ذلك الشعور المقرف حين تكتشف أن الكلمات الجميلة لم تكن إلا تمثيلًا متقنًا..

وأن المشاعر التي صدّقتها كانت مجرد دورٍ يؤديه شخصٌ محترف في الخداع…

لهذا أصبحت أميل للعزلة..

ليس تكبرًا..

ولا كرهًا للبشر…

بل لأنني تعبت من محاولة التأقلم مع عالمٍ يرى الصدق ضعفًا..

ويرى التلوّن ذكاءً..

ويرى المنافق شخصًا “لبقًا” ..

فقط لأنه يعرف كيف يُخفي حقيقته..

أنا لا أريد أن أكون ملاكًا..

ولا مثالية..

ولا حتى محبوبة من الجميع..

كل ما أريده أن أعيش بوجهٍ واحد..

وقلبٍ واحد..

وكلماتٍ لا تخون ما بداخلي..

أما هم…

فليواصلوا الركض خلف إعجاب الناس..

وليواصلوا تغيير وجوههم كما يغيّرون ملابسهم..

في النهاية..

أكثر البشر بؤسًا هم أولئك الذين قضوا أعمارهم يمثلون حتى نسوا من يكونون حقًا…

اترك تعليقاً