بقلم / المهندس محمد توفيق صعابنة
في هذه السلسلة من الإضاءات على تجارب فنانين وفنانات من التشكيليين لا نسعى إلى ممارسة النقد بمعناه الصارم ولا إلى تتبع الثغرات أو الوقوف عند المناطق الملتبسة بقدر ما نحاول أن نفتح نافذة على ما في هذه التجارب من جمال وصدق وبحث واجتهاد إنها إضاءة هدفها التشجيع وتحفيز العطاء والاقتراب من رؤى فنية لقامات تبحث عن التجديد وتسعى إلى أن تترك أثرها في المشهد التشكيلي ويبدو أن الحركة الفنية في مدينة جدة لا تبتعد عن هذا المنظور فهي من خلال ما يمكن ملاحظته في السنوات الأخيرة تعيش حالة بحث واضحة عن الجديد وانتقالا متسارعا من بدايات ربما بدت متواضعة إلى تجارب أكثر نضجا وحضورا وهذا التطور يضعنا أمام مسؤولية أدبية وأخلاقية تجاه هذا المشهد مسؤولية لا تقوم على المجاملة بل على دعم المسيرة الفنية وتشجيع الفنانين والفنانات وتسليط الضوء على أعمالهم بما يحفزهم على الاستمرار والتجريب وتأتي هذه الإضاءات سواء تناولت لوحة منفردة أو تجربة شخصية أو مجموعة أعمال في معرض أو سياق فني عام بوصفها محاولة صادقة لقراءة الجهد الإبداعي والاحتفاء به والدفع به نحو مزيد من الوعي والنضج والحضور
فأعمال التشكيلية الفنانة صباح المشرعي لا تبتعد كثيرا عن هذا الجو المليء بالعطاء فهي صاحبة تجربة بصرية تقوم في جوهرها على الحس التعبيري المفعم بالعاطفة من حيث اللون أكثر مما تقوم على الصرامة الأكاديمية أو المحاكاة الواقعية المباشرة فاللوحات واخضاعها للمقاييس النموذجية للابعاد بقدر عدم انشغالها بنقل العالم كما هو كصورة فوتوغرافية تامة الأبعاد والحدود ونقل الواقع كما هو بلا عاطفة بقدر ما تحاول إعادة صياغته من الداخل عبر العاطفة والمزاج والذاكرة والحركة والرمز ومن هنا يمكن قراءة هذه التجربة بوصفها محاولة للبحث عن لغة تشكيلية خاصة بها لا تخضع الا لمعايير تحاول تلمسها بنفسها بالرغم انها ما زالت في طور التكوين حيث تمتلك عناصر قوة واضحة لكنها لا تخلو من تشتت وتفاوت يحتاجان إلى وقفة نقدية جادة
مما سبق فإن الفنانة صباح المشرعي بكل جمالية أعمالها فهي بين أكثر من اتجاه فني دون أن تستقر تماما داخل مدرسة واحدة ففي بعض أعمالها يظهر أثر التعبيرية من خلال الوجوه النسائية والملامح الساكنة والنظرات الحالمة أو المنطفئة وكأنها تعبر عن حالة وجدانية حيث لا تكون الدقة التشريحية هي الهدف الأول بل التعبير عن حالة نفسية أو شعورية.
وفي أعمال أخرى يقترب خطابها البصري من التجريد التعبيري خصوصا حين تترك للون والملمس وحركة الفرشاة مساحة أوسع من الموضوع نفسه.
أما حضور المرأة والطيور والموج والقمر والأبواب والأمومة والعناصر الروحانية فيقود إلى قراءة رمزية واضحة تجعل اللوحة أحيانا أقرب إلى صورة وجدانية منها إلى مشهد واقعي هذا في جانب وفي جانب اخر هناك في تجربتها حضور ملحوظ للذاكرة الشرقية لمدينتها والتراث العمراني المحلي من خلال الزخارف والأبواب القديمة والسجاد والخيل والمراكب والملابس العربية والوجوه الشعبية غير أن هذا الحضور على أهميته يبدو في بعض المواضع توظيفا بصريا وجماليا أكثر من كونه مشروعا بحثيا عميقا في التراث فهي لا تسعى لاظهار التراث بمعناه بل توظيفة لخدمة عناصر العمل الفني .
فالتراث هنا يظهر بوصفه ربما يظهر كمادة للحنين والهوية والطفولة والذاكرة والانتماء لكنه يحتاج إلى معالجة أكثر إحكاما واكثر تركيزا حتى يتحول من عنصر زخرفي أو موضوعي إلى بنية فنية ناضجة تقود العمل من الداخل وتبرزة بشكل أكثر وضوحا فبرغم مما أشرنا لة في السياق فلا بد من ملاحظة عناصر من القوة التي لا تخفى في أعمالها الحس اللوني والالوان بشكل عام والجرأة فيها حيث تمتلك الفنانة صباح المشرعي جرأة واضحة في التعامل مع الأزرق والأحمر والبرتقالي والبنفسجي والأصفر وتستطيع في عدد من اللوحات أن تخلق من خلال اللون حالة شعورية ووجدانية مؤثرة.
كما أن لديها قدرة لافتة على بناء ملمس بصري غني يمنح السطح التشكيلي حيوية ودفئا ويجعل اللوحة محسوسة لا مرئية فقط وتبلغ التجربة أجمل مستوياتها عندما تتخفف من عبء التمثيل الواقعي وتترك اللون والحركة والرمز يقودون المشهد في هذه الأعمال تحديدا تبدو الفنانة أكثر صدقا وأكثر قدرة على إنتاج أثر بصري وشعوري واضح يحتمل المعنى الوجداني والعاطفي معا
لكن في المقابل فإن الأعمال التي تقترب من البورتريه أو الجسد أو العمارة أو المنظور حيث تكشف بعض اللوحات ضعفا في ضبط النسب وبناء الوجه وعلاقة الرأس بالرقبة وتوزيع الظلال وإقناع العمق المكاني هذه الملاحظات لا تعني أن العمل التعبيري مطالب بأن يكون واقعيا أو أكاديميا بالمعنى التقليدي لكن الفرق كبير بين التشويه المقصود فنيا وبين الخلل الناتج عن عدم السيطرة أو الاهتمام التقني في نقل الواقع .
وفي بعض الأعمال يبدو الخلل أقرب إلى الثاني منه إلى الأول وقد أشرنا الى هذة النقطة في السياق العام لأعمال الفنانة صباح المشرعي والتي تبدو أكثر قوة حين تحول الموضوع إلى حالة داخلية أو رمز شعوري وأقل قوة حين تحاول تقديمه بصورة مباشرة فالمناظر الطبيعية والوجوه والعمارة والمراكب عندما تعامل كمواضيع وصفية تفقد جزءا من طاقتها ، أما حين تتحول إلى ذاكرة أو حلم أو أثر لوني وعاطفي ووجداني فإنها تصبح أكثر إقناعا ؛ لذلك فإن القيمة الحقيقية في تجربة الفنانة لا تكمن في قدرتها على تقليد الواقع بل في قدرتها على تفكيكه وإعادة بنائه بصريا وفق إحساسها الخاص وهذة ميزة تحسب لها.
الإشكالية الأبرز في تجربة الفنانة صباح المشرعي هي غياب الهوية المحكمة والثابتة ففي مجموع اعمالها المعروضة تنتقل بين التجريد والبورتريه والطبيعة والزخرفة والتراث والطبيعة الصامتة والرمزية النسائية والمشاهد البحرية والموضوعات الشعبية هذا التنوع قد يقرأ بوصفه رغبة في التجريب لكنه في الوقت نفسه يضعف وضوح المشروع الفني فالعمل الفني لا يحتاج فقط إلى موهبة وإحساس بل يحتاج أيضا إلى موقف بصري محدد وإلى سؤال جمالي يتكرر ويتطور حتى يتحول إلى لغة وفي هذه الحالة تبدو الفنانة كأنها تمتلك خامات متعددة لبناء تجربة قوية لكنها لم تحسم بعد أي طريق تريد أن تسلكه بعمق
من الناحية الجمالية يمكن القول إن الأعمال تحمل جاذبية واضحة خصوصا في اللون والملمس والحالة الشاعرية لكنها من الناحية البنائية والتقنية أقل وضوحا بحسب الموضوع والمعالجة.
فبرغم أن اعمال الفنانة صباح المشرعي ليست كلها بالقوة نفسها وليست كل محاولاتها متماسكة بالدرجة ذاتها ولهذا فإننا لا نستطيع أن نزن أعمالها بالوزن نفسه فهذا قد يضعف صورة الأعمال بشكل عام بدلا من أن يخدمها ، فهي قد تحتاج الى توخي الحذر في اختيار الأعمال التي تمثلها في المعارض واستبعاد الأعمال الغير قادرة على تمثيلها بما لديها من طاقات وعاطفة كما ذكرنا سابقا وإلى اختيار أكثر صرامة للأعمال القادرة على تمثيلها مع استبعاد الأعمال التي تكشف عدم الوضوح في الروويا التقنية أو التكرار أو عدم الاكتمال
ومما سبق اقترح على الفنانة صباح المشرعي بكل مودة واحترام هو الاشتغال على المرأة والذاكرة والبحر والتراث الشرقي ضمن أسلوب تعبيري رمزي واضح فهذا الاتجاه يجمع أفضل ما لديها من إبداع وحس لوني ويجمع بين النعومة والرمزية والملمس والحضور الأنثوي والبعد الوجداني ، وإذا استطاعت أن تطور هذا المسار بوعي أكبر وأن تدعمه بدراسة أقوى للرسم والبناء والتكوين فقد تنتقل تجربتها من مجموعة أعمال متفرقة إلى مشروع فني واضح ومؤثر اتمنى لها دوام التقدم والتوفيق