بقلم -فوزية الوثلان
في زحام الحياة وتسارع الضغوط اليومية، بات “القولون العصبي” واحدًا من أكثر الاضطرابات الصحية انتشارًا، ليس لأنه مرض عضوي خطير فحسب، بل لأنه حالة تتداخل فيها النفس مع الجسد بشكل عجيب، حتى أصبح يُطلق عليه أحيانًا “مرض التوتر الصامت”.
فالمصاب بالقولون العصبي لا يعاني فقط من آلام البطن أو الانتفاخ واضطرابات الهضم، بل يعيش أحيانًا حالة من القلق والتوتر والتقلب المزاجي، مما يؤثر على راحته النفسية وعلاقاته الاجتماعية وأسلوب تعامله مع من حوله.
بين النفس والجسد… علاقة لا تُرى
أثبتت الدراسات أن الجهاز الهضمي يتأثر بشكل مباشر بالحالة النفسية، لذلك نجد أن القلق، وكثرة التفكير، والعصبية، والضغوط المستمرة قد تكون سببًا رئيسيًا في تهيّج القولون وظهور أعراضه.
فبمجرد دخول الإنسان في حالة توتر، يبدأ الجسد بإرسال إشارات تنعكس على المعدة والأمعاء، فتظهر التقلصات والانتفاخ والآلام بشكل مزعج، وكأن الجسد يصرخ بما تعجز النفس عن التعبير عنه.
ولهذا كثيرًا ما نسمع من مرضى القولون العصبي عبارات مثل:
“حالتي تسوء عندما أتوتر”، أو “كلما غضبت شعرت بالألم”.
كيف يؤثر القولون العصبي على صاحبه؟
لا يقتصر تأثير القولون العصبي على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الحياة اليومية والنفسية، فقد يصبح المريض أكثر حساسية وانفعالًا، سريع التوتر، قليل الصبر، يميل أحيانًا للعزلة أو الانزعاج من أبسط المواقف بسبب الإرهاق الداخلي الذي يشعر به باستمرار.
وقد ينعكس ذلك على أسرته أو محيطه العملي والاجتماعي، فالبعض لا يدرك أن المريض يعيش ألمًا حقيقيًا يجعله أحيانًا متقلب المزاج أو متوترًا دون قصد.
لكن في المقابل، لا ينبغي للمريض أن يجعل مرضه مبررًا للعصبية أو إيذاء من حوله بالكلمات أو التصرفات، بل عليه أن يدرك أن التحكم بالنفس جزء مهم من رحلة العلاج.
كيف يسيطر مريض القولون العصبي على نفسه؟
السيطرة على القولون العصبي تبدأ غالبًا من تهدئة النفس قبل علاج الجسد، ومن أهم الأمور التي تساعد على ذلك:
* الابتعاد عن التوتر قدر الإمكان.
* ممارسة المشي أو الرياضة الخفيفة.
* النوم الجيد وتنظيم ساعات الراحة.
* التقليل من المنبهات وبعض الأطعمة المهيجة.
* تعلم مهارات الاسترخاء والتنفس العميق.
* عدم كبت المشاعر والحديث عما يزعجه.
* التقرب إلى الله والطمأنينة بالذكر والدعاء، فراحة الروح تنعكس على الجسد.
كما أن تقبل المرض وعدم تضخيمه يساعد المريض كثيرًا على التعايش معه بشكل أفضل.
كيف يتعامل من حوله معه؟
من المهم أن يدرك الأهل والأصدقاء أن مريض القولون العصبي لا يتصنع الألم، بل يعيش حالة مرهقة نفسيًا وجسديًا، لذلك يحتاج إلى:
* الاحتواء لا الانتقاد.
* الهدوء لا الاستفزاز.
* التفهم لا السخرية.
* الدعم النفسي والكلمة الطيبة.
فالكثير من المرضى تتحسن حالتهم حين يشعرون بالأمان والراحة النفسية داخل محيطهم الأسري والاجتماعي.
وهل للقولون العصبي علاج؟
القولون العصبي ليس مرضًا خطيرًا في الغالب، لكنه يحتاج إلى أسلوب حياة متوازن أكثر من حاجته إلى الأدوية فقط.
فالعلاج يشمل:
* تنظيم الغذاء.
* تخفيف الضغوط النفسية.
* ممارسة الرياضة.
* وفي بعض الحالات استخدام أدوية يصفها الطبيب لتخفيف الأعراض أو القلق المصاحب للحالة.
وقد يختفي لفترات طويلة عندما ينجح الإنسان في إدارة ضغوطه النفسية والتعامل مع حياته بهدوء واتزان.
والخلاصة
القولون العصبي رسالة يبعثها الجسد عندما تتعب النفس، لذلك فإن العلاج الحقيقي يبدأ من الداخل… من هدوء الفكر، وراحة القلب، والتعامل بلطف مع الذات والآخرين.
فالصحة ليست فقط خلو الجسد من المرض، بل أن يعيش الإنسان متوازنًا نفسيًا وروحيًا وجسديًا، لأن النفس حين تضطرب… يتحدث الجسد بالألم