صالح الصواط – مكة المكرمة
في زمنٍ تتسارع فيه الخطوات، وتتبدّل فيه القيم تحت ضغط الحياة ومغرياتها، برز نمطٌ مقلق من السلوك الإنساني؛ حيث لم تعد العلاقات لدى البعض مساحة للدفء والصدق، بل تحوّلت إلى لعبةٍ عابرة، وميدانٍ لإثبات الغلبة، وكأنها معركة لا بد أن يخرج منها “منتصر” و”مهزوم”.
هذا الفهم المختلّ للعلاقات لا ينشأ من فراغ، بل يتغذّى على عدة عوامل؛ أبرزها ضعف الوعي العاطفي، والتنشئة غير المتوازنة، وتأثير بيئة تُعلي من شأن المظاهر والانتصارات الشكلية على حساب القيم الحقيقية. فيُخيَّل للبعض أن السيطرة على مشاعر الآخرين، أو كسب الجولات النفسية، أو الانسحاب دون اكتراث، هو نوع من الذكاء أو القوة، بينما هو في الحقيقة انعكاس لهشاشة داخلية وافتقار للنضج.
ولعل من أبرز مظاهر هذا الخلل، انتشار المجاملات الزائفة التي لا تعكس صدقًا، بل تُستخدم كوسيلة للتمويه وكسب القلوب مؤقتًا، إلى جانب ارتداء الأقنعة المصطنعة التي تُخفي حقيقة الشخص وتُظهره بصورة مغايرة لواقعه. فيعيش الطرف الآخر وهم العلاقة، بينما الحقيقة مبنية على تزييفٍ مدروس.
كما أن البعض لا يدخل العلاقات بدافع الارتباط الحقيقي، بل بهدف سدّ فراغ داخلي أو الهروب من وحدةٍ مؤقتة، فيتعامل مع الطرف الآخر كحلٍّ مرحلي، لا كشريكٍ إنساني له مشاعر وحقوق.
العلاقات الإنسانية في جوهرها ليست ساحة صراع، بل هي مساحة تلاقٍ وتكامل. تقوم على الاحترام، والاحتواء، والصدق، والتضحية أحيانًا. وعندما تُختزل إلى “لعبة”، فإنها تفقد معناها، ويتحوّل الطرف الآخر من إنسانٍ له مشاعر وكرامة إلى مجرد أداة لتحقيق نشوة انتصار مؤقتة.
ومن أخطر ما في هذا السلوك، أنه يخلّف آثارًا نفسية عميقة لدى الطرف المتضرر؛ إذ قد يفقد ثقته بالآخرين، أو يُصاب بخيبة أمل تجعله أكثر انغلاقًا وحذرًا، بل وقد ينقل هذه التجربة السلبية إلى علاقات أخرى، فتتسع دائرة الخلل وتنتشر العدوى العاطفية في المجتمع.
أما من يظن أنه “انتصر”، فهو في الحقيقة لم يربح شيئًا يُذكر. فالانتصار الحقيقي في العلاقات لا يكون بكسر القلوب، بل بكسبها، ولا يكون بإثبات التفوق، بل بتحقيق التوازن والانسجام. وما يُبنى على التلاعب لا يدوم، وما يُؤخذ بغير صدقٍ يزول سريعًا، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه أي انتصار وهمي.
ولا يمكن إغفال دور القيم الدينية والأخلاقية في تصحيح هذا المفهوم؛ إذ يحثّ ديننا الحنيف على حسن المعاملة، والوفاء، والصدق في العلاقات. قال تعالى: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”، وهي قاعدة عظيمة تُلزم الإنسان بأن يكون مصدر خيرٍ لا أذى، وبناءٍ لا هدم.
كما أن النضج الإنساني الحقيقي يظهر في القدرة على الحفاظ على العلاقات، لا في هدمها، وفي تقدير مشاعر الآخرين، لا في استغلالها. فالعلاقات ليست حلبة لإثبات الذات، بل مرآة تعكس أخلاقنا وقيمنا.
هنا يبقى السؤال الأهم: ماذا يعني أن “تنتصر” في علاقة؟
هل هو أن ترحل دون أن تتأثر؟ أم أن تترك أثرًا طيبًا حتى وإن انتهت العلاقة؟
الحقيقة التي يغفلها الكثيرون، أن العلاقات لا تُقاس بمن غلب، بل بمن حفظ الودّ، وصان الكرامة، وخرج منها إنسانًا أفضل… لا أكثر قسوة.
فليست كل نهاية خسارة، لكن كل تلاعب… خسارة أخلاق .