ربيعة الحربي_الرياض

داخل أروقة الركن المصري في فعاليات “بنان”، يبرز حضور مختلف تمامًا يجذب الزوّار منذ اللحظة الأولى؛ مساحة تفوح منها رائحة الخيوط القطنية، ويعلو فيها صدى حرفة قديمة لا تزال تقاوم الزمن. هناك يقف إبراهيم عبد الصبور، القادم من مدينة أخميم، أحد أهم معاقل النسيج اليدوي في مصر، ليقدّم ما يشبه العرض الحي لذاكرة طويلة من العمل على النول، الحرفة التي ورثها عن أبيه وجدّه، ويحملها اليوم بكل اعتزاز كأنها وصية عائلية لا يجوز التفريط فيها.

يعرض إبراهيم في “بنان” مجموعة كبيرة من المنتجات التي تشكل جزءًا من تراث أخميم المنسوج، منها الشيلان القطنية، وأغطية الكنب، والكوفرتات، ومفارش السفرة، وكلها تُحاك بالكامل على النول، وباليد وحدها، دون أي تدخل للآلات الحديثة. يشرح أنّ كل قطعة يخرجها النول تحمل بصمتين: بصمة القطن المصري المعروف بجودته، وبصمة الحرفي الذي يقضي الساعات أمام خيوط تتشابك لتتحول إلى منتج دافئ، مفعم بالتاريخ.

ويتطلب الشال الواحد نحو يوم كامل من العمل المتواصل، بدءًا من مدّ الخيوط على النول، ثم اختيار ألوانها، وصولًا إلى غلق الأطراف وصقلها. أما الكوفرتات وقطع السفرة، فتختلف مدة تنفيذها بحسب حجمها وتعقيد الرسم المطلوب. بعض التصاميم، كما يقول إبراهيم، تحتاج أيامًا طويلة، خصوصًا تلك التي تحمل رسومات تراثية دقيقة أو زخارف هندسية متعددة الطبقات.

ورغم أن الحرفة تحتاج إلى صبر طويل، فإن إبراهيم يدير مشغلًا كبيرًا يضم 80 نولًا، يعمل فيه الحرفيون على إنتاج القطع وفق الأساليب التقليدية التي اشتهرت بها أخميم منذ عقود. لكنها ليست مجرد حرفة، بل إرث عائلي يمتد لجيل ثالث، يصرّ فيه إبراهيم على أن تبقى الصناعة يدوية بالكامل، وأن يحافظ على الشكل الأصلي للنسيج الذي يميز مدينته ويجذب زوار مصر من مختلف الدول.

في ركنه داخل “بنان”، يتحرك الزوار بين القطع المعروضة ببطء، يلمسون خامة القطن الثقيلة، ويفحصون دقة النسج، ويتوقفون أمام الألوان الهادئة التي تمنح الشيلان والكوفرتات طابعًا مميزًا يجمع بين البساطة والفخامة. ويستوقف الكثير منهم مشهد الحرفة بحد ذاتها؛ معرفة أن كل قطعة أمامهم خرجت من حركة يد متواصلة، وأن وراءها ساعات طويلة من التركيز والعمل المنظم.

إبراهيم يرى في مشاركته في “بنان” فرصة لإحياء الحرفة على نطاق أوسع، وليؤكد أن النول ليس مجرد أداة، بل صوت من الماضي يحكي تاريخ مدينة كاملة. ويقول إن إقبال الجمهور على منتجاته يمنحه طاقة إضافية للاستمرار، ويعيد إلى الحرفة قيمتها القديمة بوصفها صناعة تحمل روحًا وذاكرة، لا مجرد منتج يُشترى ويُستخدم.

وبين أغطية الكنب الهادئة، والشيلان القطنية الرفيعة، والكوفرتات المتقنة، يقدّم إبراهيم عبد الصبور لوحة كاملة لحرفة مصرية خالصة، تضع الزوار أمام تجربة فنية وتراثية لا تتكرر. وجوده في الركن المصري لا يثري المعرض فحسب، بل يقدّم درسًا في الصبر، والإرث، والإتقان… ليصبح بالفعل أحد أبرز الأصوات التي تواصل الحفاظ على النول حيًا داخل “بنان”.

اترك تعليقاً