الدكتور : رشيد بن عبدالعزيز الحمد

– لا أتحدّث اليوم عن سيرة عابرة، ولا عن رجلٍ مرَّ في الدنيا مرورًا خفيفًا… بل أتحدّث عن والدي عبدالعزيز بن عبدالرحمن الحمد – رحمه الله – ابن نعام في حوطة بني تميم والحريق، الرجل الذي تعلّمت منه فنًّا أعظم من “اقتصاد المشاوير”… تعلّمت منه اقتصاد الحياة.

ذلك الاقتصاد الفطري الذي لا تحدّه كتب ولا تنظّمه نظريات، بل تصنعه التجارب، وتبنيه الفطرة السليمة، ويُنبت في قلب رجلٍ عشق العمل، وأخلص لأهله، وتزيّا بأخلاقٍ لا تتكرر.

أبٌ… كان كالروح للجسد

كان – رحمه الله – رمزًا للأمان وركنًا للحياة، إذا حضر شعر الأبناء بأن الدنيا وُضعت على كتفيه، وإذا غاب أحسّوا أن جزءًا من الضوء قد انطفأ.

مزيج فريد بين الشدة واللين… صارم عند المواقف، صديق عند الحاجة، قريب من أبنائه، مربّيًا وموجّهًا ورفيقًا، يغرس فيهم الرجولة والصدق ومحبة الناس، كأنما يسكب شيئًا من روحه في أرواحهم.

وطنية تُغنّى… لا تُدرَّس

ما زلت أذكر كيف كان – رحمه الله – يتغزّل في الوطن في الليالي والسمر، يردد القصائد الطوال من ذاكرته الحيّة، كأنها كتاب مفتوح يحمل في صفحاته عشق الأرض وقيم الرجولة والولاء… فيلتفّ حوله أبناؤه، يستمعون إليه بقلوبٍ تتعلّم قبل آذانها.

أربعون حجّة… ومئة درس

لم يكن الحج عنده موسمًا عابرًا، بل منهج تربية.

أربعون عامًا من الحج المتواصل، وفي كل عام يأخذ معه أحد أبنائه، يصحبه في الطريق إلى الله قبل الطريق إلى مكة.

هناك كانوا يتعلمون معنى التوكل، والصبر، والرفقة، والذكر… وكأنّها دروس حياة عميقة تُكتَب لا في دفتر، بل في القلب.

عملٌ شاق… صنع رجلاً استثنائيًا

بدأ حياته عاملاً في مجالات شتى:

الجمالة، الزراعة، البناء، والنقل بين نعام والرياض.

وهذه الأعمال لم تُتعبه بقدر ما صقلته ومنحته صلابة الجبال، وتواضع الأرض، وصدق أهل القرى.

كان أهل نعام يأتمنونه على محاصيلهم، فيحمّل سيارته بالمنتجات ويذهب بها إلى الرياض بعزيمة لا تعرف الكلل، سعيدًا بالثقة… وسعيدًا بأنه “ينفع الناس”، فذلك كان أحبّ الأشياء إلى قلبه.

“اقتصاد الحياة”… على طريقة الشيخ عبدالعزيز

كما يتقن أهل بريدة “اقتصاد المشاوير”، كان والدي – رحمه الله – يتقن اقتصاد الحياة:

رحلة واحدة للرياض كانت عنده تعني:

– صلاة الفجر هناك.

– توصيل بضائع.

– شراء منتجات.

– زيارة قريب.

– قضاء حاجة لجار.

– والعودة بابتسامة ورضا.

لا يذهب مشوارًا واحدًا دون خير… ولا يعود من يومٍ إلا وقد ترك أثرًا.

جارٌ وفيّ… وبيتٌ مفتوح

ستون عامًا وبيته مفتوح بعد صلاة الجمعة لجيرانه ومحبيه.

يستقبلهم بالقهوة، ويستمع لأخبارهم، ويمازحهم بطبيعته التي تجمع المهابة مع خفّة الروح.

وكان ملاصقًا للجامع، فيسبق الناس بدقائق ليقول لكل عابر: “تفضل… القهوة بعد الصلاة في البيت”.

عادة تكاد تكون معلماً من معالم نعام.

مزارع ومحاصيل… ويدٌ لا تتوقف عن العطاء

كان يشتري محاصيل المزارعين من أترنج وعنب ورمان وتمور وطماطم، يسوّق بعضها لأصحابها وبعضها للبيع.

يستيقظ قبل الفجر، يصلّي من آخر الليل، ثم ينطلق إلى الرياض، لا يبحث عن ربحٍ فقط… بل يبحث عن “بركة يوم”.

برٌّ بالوالدين… صار ميراثًا

بعد المغرب، مجلسه ثابت مع والده – رحمه الله –، قهوة وحديث ووفاء.

تصرّف بسيط… لكنه أصبح ميراثًا ممتدًا في ذريته إلى اليوم.

خاتمة رجلٍ من معدنٍ أصيل

رحل الشيخ عبدالعزيز الحمد عام 1334هجرية عن عمر ناهز 93 عامًا…

لكن قيمه لم ترحل.

وبرّه لم يرحل.

وصفاته تمطر الأجيال جيلاً بعد جيل، كما تمطر سحابة لا تعرف الجفاف.

رحمه الله رحمة واسعة…

وجعل قبره روضة من رياض الجنة…

وجعل ما خلفه من أبناءٍ صالحين وأعمالٍ طيبة شاهدًا له لا عليه.

rasheid01401@gmail.com

اترك تعليقاً