ربيعة الحربي_الرياض

داخل أحد مسارات الحركة الهادئة في فعاليات “الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية – بنان”، تجلس الحرفية مدينة محمد أمام مساحة عرضها الخاصة، كأنها تعيد وصل الحاضر بماضٍ طويل تشكّل بين الخوص ورائحة الأسواق الشعبية. لا ترفع صوتها، ولا تستعجل حركة يديها، بل تمضي في عملها بثبات المتمرس الذي يعرف تماماً كيف تتحول الأعواد اليابسة إلى سلال وأوانٍ ومنتجات ذات روح.

تقول مدينة بصوتٍ يختلط فيه الفخر بالنوستالجيا: “أنا أشتري الخوص من الأحساء… ومن أول دورة وأنا موجودة في بنان”. ليست زائرة عابرة للمهرجان، بل وجه مألوف للحرفيين والمتابعين، امرأة صنعت لنفسها حضوراً دائمًا منذ انطلاق النسخة الأولى، وظلت تعود كل عام كما لو أنها جزء من المشهد الأساسي للمكان.

بدأت رحلتها مبكراً، حين كانت طفلة تراقب أمها وهي تعمل في الحرفة، ثم تشاركها شيئاً فشيئاً. تتذكر تلك الأيام وتبتسم: “من الطفولة وأنا أشتغل خوص… كنا نبيع في الأسواق الشعبية، وكان ماشي الحال”. لم تكن مجرد حرفة، بل أسلوب حياة، وطريقة للارتباط بالعائلة والمكان، وامتداداً لروح نساء قريتها اللواتي تعلّمن الخوص كجزء من يومهنّ العادي.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً من الممارسة، تصنع مدينة منتجاتها بأنواع مختلفة، وتعرضها أمام زوار “بنان” الذين يتوقفون كثيراً أمام دقة تشكيلها وهدوء يديها. تشير إلى بعض القطع وتقول: “أسوي قِفّة، وكابوس، ومخارف للتمر”. لا تحتاج إلى شرح طويل؛ القطع تنطق بذاتها، وتحمل لمساتها الواضحة، من طريقة تضفير الخوص إلى أسلوب تثبيت الحواف إلى اختيار الألوان الطبيعية التي تحافظ بها على الطابع التراثي للمنتج.

وجودها في المهرجان ليس مجرد مشاركة، بل استمرارية. فهي ترى في “بنان” مساحة كبيرة للتعريف بالحرفيين الحقيقيين، وتقديراً للمهن التي لا تزال تتحدى الزمن. تقول: “المهرجان يعطينا فرصة… الناس تشوف شغلنا وتعرف تعب الحرفة”. وحين يقترب منها الزوار، وخصوصاً الأمهات والأطفال، تتحدث معهم بحميمية، وتشرح كيف تُصنع القطعة خطوة بخطوة، وتؤكد أن الحفاظ على الحرفة يحتاج إلى صبر ومحبة قبل أي شيء.

ورغم التغيّرات التي شهدتها الأسواق والمواد وطرق البيع، ما زالت مدينة متمسكة بطريقة العمل القديمة، تدقق في اختيار كل خوصة، وتعيد تشكيلها بيدها دون استعجال. تشعر بأن المنتج الذي يأتي من الزمن الطويل يتحدث بلغة مختلفة، لغة لا تُصنع على عجل. ومع ذلك، لا تغلق باب التطوير، بل تضيف أحياناً لمسات بسيطة أو أحجاماً جديدة لتناسب الاستخدامات الحديثة، مع الحرص على بقاء روح القطعة كما هي.

اترك تعليقاً