محمد بن سعد الشهري
في زمن يعتنى فيه بالمظهر الأخلاقي أكثر من الأخلاق نفسها، وتُرفع فيه القيم كشعارات سهلة الترديد، تنسحب الأخلاق الرفيعة إلى أماكن صامتة، وتختار الأخلاق النبيلة أن تُعرف من التفاصيل الصغيرة لا من الأصوات العالية، وتنمو بصمت داخل التصرفات التي لا يراها أحد، ليست الأخلاق دائماً فيما نفعله وما نجيد قوله، بل أيضاً فيما نتوقف عن فعله، وما نختار أن نصمت دونه، فتكون في سؤال قاومناه، وتعليق كتمناه، وفي فضول قررنا ألّا نمنحه حق العبور إلى حياة الآخرين.
عندما نزور مريضاً فنحوّل الزيارة إلى استجواب حتى نصل إلى تفاصيل قائمة أدويته وتاريخه مع المرض وكأن الإنسان في لحظة ضعفه مطالب بأن يبرّر ألمه تفصيلًا كي نصدق وجعه، وعندما نعزّي مفجوعاً فنبحث عن سبب الوفاة وتفاصيل اللحظة الأخيرة، كأننا نطالب بتقرير لا يكتمل إلا بتشريح الألم، هنا نظنّ أن إلحاحنا اهتماماً، وأسئلتنا مواساة بينما نحن بقصد أو بغير قصد نثقل قلباً منهكاً بألم جديد.
الرقي الحقيقي أن تواسي دون أن تحقق، وأن تحضر دون أن تقتحم، وأن تفهم أن بعض التفاصيل ليست حقاً لك حتى لو كانت مكشوفة أمامك، فليست كل معرفة فضيلة، وليس كل سؤال دليلاً على الاهتمام، بل يكون ألطف ما يمكن أن نقدمه للآخرين هو أن نريحهم من أسئلتنا الفضولية، ونترك لقلوبهم مساحة تتنفّس فيها حين ترهقها الحياة بما يكفي.
ومن أسمى الأخلاق التي تمر بصمت، ألّا نقيم الناس من خلال عواصفنا الداخلية، فالمستعجل يتهم الهادئ بالبرود، والحزين يضيق من ضحكات الآخرين، والمتوتر يفسّر الكلمات البسيطة كأنها استفزاز مقصود، نُسقط ما بداخلنا على تصرفاتهم ومواقفهم ثم نُحمّلهم عبء المعارك التي تدور في أعماقنا، والحقيقة أن الناس لا يعيشون معنا داخل مشاعرنا، ولا يتحركون وفق اضطراباتنا، فلكل إنسان معركته التي لا يراها أحد، ولكل قلب إيقاعه المختلف، فالعدل الشعوري ليس أن يفهمك الجميع، بل أن تكفّ عن مطالبتهم بأن يشعروا بما تشعر به في كل لحظة.
الكلمات التي نراها طيبة قد تتحول إلى أذى إذا جاءت في التوقيت الخطأ، فالنصيحة التي لم تُطلب قد تبدو وصاية، والمزاح في لحظة حساسة قد يصبح ندبة، والرد السريع ليس دائماً علامة فهم، كما أن الصمت ليس دائماً جهلاً أو تجاهلاً، هناك لحظات تكون فيها المسافة القصيرة بين كلمة وصمت هي المسافة بين ترميم قلب وتمزيق ما تبقّى منه.
ويظهر نُبل الإنسان أيضاً في قدرته على احترام ما لا يشبهه، فما لا يتماشى مع ذوقك ليس بالضرورة سخيفاً، وما لا تميل إليه لا يفقد قيمته لمجرّد أنك لم تفهمه، ذوقك ليس قانوناً عاماً، وتجربتك ليست المقياس الوحيد للنضج والوعي، حين يسخر الإنسان من اهتمامات الآخرين أو يقلل من هواياتهم أو طريقتهم في الحياة، فهو لا يكشف تفوقه بقدر ما يكشف ضيق المساحة التي يرى العالم من خلالها.
وفي زمنِ المجموعات الرقمية وتدفّق الرسائل بلا توقّف، أصبحت الحاجة إلى هذا النوع من الأخلاق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فليس كل ما يخطر لنا يستحق أن يُقال، ولا كل نقاش يستحق أن يُستنزف حتى يتحوّل إلى (خصومة إلكترونية) بلا ملامح، فذلك نوع صامت من العداوات يبدأ برسالة عابرة، ثم يتمدّد خلف الشاشات ببطءٍ حتى يُفسد ودّاً حقيقياً، ويزرع في القلوب جفاءً لا يتناسب أبداً مع تفاهة السبب. لقد منحتنا المنصّات قدرةً هائلة على الكلام والمشاركة، لكنها لم تمنح الجميع القدر نفسه من الحكمة أو الاتزان، فأحياناً تكون الرسالة المؤدبة أكثر نبلاً من سيل التعليقات، ويكون الصمت المهذّب أكثر إنسانية من إصرار لا يحصد في نهايته سوى فتور القلب. وفي النهاية، لن يتذكر الناس عدد المعلومات التي كنت تعرفها، ولا سرعة ردودك، ولا قدرتك على الفوز في النقاشات، ولا اندفاعنا لإثبات صحة مانقول، ما سيبقى حقاً هو شعورهم بعدك، هل كنت خفيفاً على أرواحهم؟ هل احترمت مساحاتهم؟ هل أنصفتهم حين اختلفت معهم؟ هل كان لسانك أكثر رحمة من اندفاعك؟
الاحترام لا يعني أن نتشابه، بل أن نتّسع لبعضنا رغم اختلافنا، فالأذى لا يأتي دائماً بوجه قاس وصريح، بل كثيراً ما يتسرب بفضول زائد، أو كلمة مستهترة، أو سخرية عابرة، أو تدخل ظنناه لطفاً وكلها تثقل القلوب بصمت، وهنا تبدأ الأخلاق الحقيقية، حين يملك الإنسان القدرة على الأذى ثم يختار الرقي، ويملك حقّ الكلام ثم ينتقي الصمت النبيل، ويدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بضجيج حضوره، بل بخفة أثره على أرواح الآخرين.
أرقى الأخلاق ليست فيما نقوله للناس، بل فيما نملك قوله، ثم نختار ألّا نؤذيهم به.
apoyazn@hotmail.com