الدكتور : رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتطغى أخبار اليوم على منجزات الأمس، تبقى المجتمعات الأصيلة هي التي تعرف كيف تحفظ جميل رجالها ونسائها، وتؤمن بأن التكريم ليس احتفالًا بالأشخاص بقدر ما هو احتفاءٌ بالقيم التي يمثلونها. فالأوطان لا تبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُشيَّد بذاكرة تحفظ المخلصين، وبأجيال تتعلم أن العطاء لا يضيع، وأن الوفاء هو عنوان المجتمعات الحية.
ومن هذا المنطلق، يترقب أهالي نعام مساء الأحد الخامس من يوليو 2026، حفل جائزة نعام للتميز، الذي لم يعد مجرد مناسبة اجتماعية، بل أصبح مشروعًا مجتمعيًا يحمل رسالة نبيلة، مفادها أن من قدّم لوطنه ومجتمعه يستحق أن يُذكر، وأن يبقى أثره حاضرًا في الوجدان.
وسيكون من أبرز محطات هذا الحفل تكريم اسمٍ وطني كبير، هو الفريق سعود بن عبدالعزيز الهلال -رحمه الله-، أحد أبرز القيادات الأمنية في المملكة، الذي أفنى عمره في خدمة الدين ثم المليك والوطن، وترك إرثًا مهنيًا مشرفًا في تعزيز الأمن والاستقرار، ليظل اسمه شاهدًا على الإخلاص والقيادة والمسؤولية.
كما تحتفي الجائزة بالأستاذ حسين بن عبدالله العثمان، تقديرًا لجهوده في تنظيم مسابقة الخلال بمركز نعام على مستوى محافظة حوطة بني تميم والحريق ، وهي مبادرة أسهمت في إحياء الموروث الشعبي، وربط الأجيال بجذورهم الأصيلة، تأكيدًا على أن الهوية تُحفظ بالمبادرات الصادقة قبل الشعارات.
ويأتي التكريم أيضًا للدكتور محمد بن عبدالعزيز العثمان، الدكتورة / حصه بنت راشد بن عبدالله آل عثمان، تقديرًا لما قدماه من عطاء علمي ومجتمعي، في رسالة تؤكد أن العلم والمعرفة هما أساس نهضة المجتمعات، وأن تكريم العلماء وأصحاب الفكر هو تكريم للمستقبل نفسه.
ولأن الثقافة هي روح المجتمعات، فإن الجائزة تحتفي بالشاعر محمد بن عبداللطيف العجلان، الذي جسّد عشق نعام في قصائده، ووثّق جمالها في شيلته الشهيرة «نعام يا مقشمبن الهيل»، لتبقى الكلمة الصادقة جسرًا يربط الإنسان بأرضه، ويُخلّد المكان في ذاكرة الأجيال.
كما يحظى بالتكريم الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله العثمان، صاحب المسيرة العلمية والتربوية الزاخرة، الذي أسهم بعلمه وخبرته في خدمة المجتمع، ليكون نموذجًا للمربي الذي يترك أثره في العقول قبل الأوراق، وفي الإنسان قبل المكان. وسيتم تكريم العديد من الكفاءات المتميزة في مركز نعام
ولم تغفل الجائزة عن تكريم أصحاب الإنجازات العملية، وفي مقدمتهم الحكم الدولي راشد رشيد الجميد ، الذي رفع اسم المملكة في ميادين التحكيم الرياضي، وكان مثالًا للكفاءة والانضباط والتميز.
كما يلفت هذا الحفل الأنظار إلى قيمة الحفاظ على التراث، من خلال تكريم بيت الجساس التراثي، وبيت الحمد التراثي، وبيت البوقان التراثي، وبيت الضويان التراثي، ومزرعة الشريعات، في رسالة تؤكد أن التراث ليس مباني قديمة، بل ذاكرة وطن، وهوية مجتمع، وإرث يجب أن تتناقله الأجيال بكل فخر واعتزاز.
ومن الإنصاف أن يُقال إن مثل هذه المبادرات لا تنجح إلا عندما تجد رجالًا يعملون بصمت، ويؤمنون بالفكرة أكثر من اهتمامهم بالأضواء. فقد بذلت اللجنة المنظمة لجائزة نعام للتميز جهودًا كبيرة حتى يخرج هذا الحفل بالصورة التي تليق بالمكرمين وأهالي نعام، ويستحق رئيس اللجنة المنظمة الأستاذ صالح بن عبدالعزيز السعيدي، ومعه الأستاذ إبراهيم بن عبدالعزيز الضويان، والأستاذ موسى بن محمد السعران، وجميع أعضاء اللجان العاملة، كل الشكر والتقدير على ما بذلوه من وقت وفكر وجهد، بروح الفريق الواحد، ليؤكدوا أن العمل التطوعي الصادق هو أساس نجاح المبادرات المجتمعية.
كما أن من أجمل صور العطاء وجود رجال آثروا أن تبقى أياديهم البيضاء بعيدة عن الأضواء، فقدموا دعمهم لهذه الجائزة إيمانًا برسالتها، مؤكدين أن أسمى صور البذل هي تلك التي لا تنتظر ثناءً ولا تبحث عن شهرة.
إن جائزة نعام للتميز لا تكرّم أفرادًا فحسب، بل تكرّم قيمًا؛ فهي تكرّم الوفاء، والعلم، والثقافة، والتراث، والعمل التطوعي، والانتماء. وهذا ما يجعلها تجربة تستحق أن تُحتذى، لأنها تبني الإنسان قبل أن تحتفي بإنجازه.
وفي الخامس من يوليو، لن تُضاء منصة التكريم بالدروع وحدها، بل ستضيء بقيم الوفاء والانتماء والعمل الجماعي. وستثبت نعام، مرة أخرى، أن المجتمعات التي تكرّم أبناءها، وتحفظ تاريخها، وتقدّر المخلصين، هي المجتمعات الأقدر على صناعة مستقبلها. فالوفاء ليس نهاية قصة، بل بداية حكاية يقرأها الأبناء، فيدركون أن الأثر الجميل لا يموت، وأن الوطن لا ينسى أبناءه الذين صنعوا مجده.
“الأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تحفظه من وفاء. وحين يكرّم المجتمع أبناءه، فإنه لا يحتفي بالماضي فحسب، بل يعلّم المستقبل أن العطاء لا يضيع، وأن الأثر الجميل يبقى، وأن الوفاء هو أجمل استثمار في الإنسان.