بقلم /أ.احسان بنت محمود بخاري
في أزقة المدينة المنورة القديمة، حيث كانت البيوت تتجاور بطمأنينةٍ تشبه الدعاء، نشأتُ مع التراث، ولم تكن علاقتي بالمدينة المنورة علاقة باحثة تجمع المعلومات، أو تحفظ أسماء الأزياء والأماكن فحسب؛ بل كانت علاقتي تصف حياة ابنةٍ وجدت في تفاصيل المدينة روحها وهويتها.
لم تكن المدينة حجارةً وآثارًا، بل ذاكرةً حيّة عشتها مع كل بابٍ خشبي قديم، وكل نافذة مشربية، وكل زقاق يقود إلى المسجد النبوي، كله يحمل قصةً تستحق أن تُروى!
ولهذا كرّستُ سنوات طويلة لتوثيق التراث المدنيّ، منه الأزياء والعادات واللهجة والحياة الاجتماعية التي عاشت عليها الأسر المدينية جيلاً بعد جيل.
لما تحدثتُ عن اللباس المدني القديم، لم أصفه كقطعة قماش؛ بل أستعيد به وجوه النساء اللاتي ارتدينه، وروائح البيوت، وأصوات المناسبات القديمة. ومنه “الزبون” و“المصكك” و“المحف” أصفها رموزًا لهوية المدينة، لا مجرد أثواب تراثية.
وبهذا أعيد الروح لما كان يُظن أنه اندثر.
ارتبط قلبي بأماكن المدينة التاريخية؛ من محيط المسجد النبوي إلى أحياء المدينة القديمة، ومن طرق الحجاج القديمة إلى البيوت التي بقيت شاهدة على الزمن. إنني أرى أن أعظم أثر في المدينة ليس البناء، بل الإنسان الذي بنى وعاش فيها وترك أثره الطيب.
المدينة المنورة ليست مكانًا يُزار ثم يُنسى، بل حياة وجدانية تسكن القلب.
أتحدث عنها بحب يخشى أن يبهت جماله في ذاكرة الأجيال الجديدة.
لذلك سعيتُ بأن يرتبط الحاضر بالماضي، وأن يشعر أبناء وبنات المدينة بالفخر بتاريخهم ولهجتهم وأزيائهم وعاداتهم.
افخر أن يبقي اسمي حاضرًا كلما ذُكر التراث المدني، أن يكون لي معه بصمة
فقد وضعتُ جزءًا من روحي في ذاكرة المدينة المنورة نفسها؛ المدينة التي أحبّها وأدعو الله أن يكون حبي وما أقدّمه لها جزءًا من تاريخها المعاصر.
