فاطمة إبراهيم البلوي

كانوا يظنون أنني سأبقى إلى الأبد تلك الفتاة المنكسرة التي تُقاد بالصوت المرتفع..

وتُروَّض بالخوف..

وتُدفن رغباتها حيّة كي لا تُزعج أحدًا..

ظنّوا أن الصمت الذي ربّوني عليه سيبقى قيدًا في عنقي..

وأن ارتجافتي القديمة سترافقني حتى آخر العمر..

لكن ما لم يفهموه قط…

أن الإنسان حين ينجو من نفسه القديمة، لا يعود كما كان أبدًا..

هم لا يغضبون لأنني أخطأت..

بل لأنني لم أعد أسمح لهم بالعبور فوقي كما يشاؤون..

يستفزّهم أنني أرفع رأسي بعد سنواتٍ من الانحناء..

وأنني أقول: “لا” ..

دون خوف وأتمسك بحقي دون اعتذار..

وأرفض أن أكون النسخة الميتة التي تناسب راحتهم..

يريدونني هشّة كما كنت..

ضعيفةً تُرهقها المواجهة..

مرتبكةً تخاف الاعتراض..

تبتلع الإهانة ثم تشكرهم عليها..

وحين وقفتُ أخيرًا على قدميّ..

اعتبروا كرامتي تمرّدًا..

وصوتي وقاحة..

وحدودي إساءة..

وثقتي بنفسي جريمةً لا تُغتفر..

يا لحقارة بعض البشر حين يعتادون رؤية الإنسان مسحوقًا..

ثم يغضبون لحظة نجاته..

يريدونك مكسورًا لأن ضعفك يمنحهم شعورًا بالقوة..

ويريدونك صامتًا لأن صوتك يفضح بشاعتهم..

هم لا يريدون إنسانًا له رأي ومشاعر وكرامة..

بل يريدون دميةً مطيعة تُصفّق لهم ولو كانت تُحتضر من الداخل..

فإن رفضتَ، شوّهوك..

وإن واجهتَهم، اتهموك بالعقوق والتجاوز..

وإن انتصرتَ لنفسك، قالوا إنك تغيّرت..

نعم، تغيّرت..

ولأول مرة في حياتي لا أشعر بالخجل من ذلك..

لقد تعبتُ من دفن نفسي لإرضاء من لا يشبعهم شيء.

ومن تقزيم روحي كي لا ترتعب نفوسهم الهشّة من امرأةٍ تعرف قيمتها..

تعبتُ من لعب دور الضحية المؤدبة التي تُجلد بصمت وتبتسم احترامًا..

بعض الناس لا يؤلمهم أنك سيئة…

بل يؤلمهم أنك لم تعد قابلة للكسر..

ولهذا يحاربونك بكل ما يملكون..

بالسخرية..

بالتقليل..

بالتشويه..

وبمحاولات إعادتك إلى القاع الذي خرجتَ منه..

لأنهم يدركون في أعماقهم أن الإنسان الذي تعلّم الوقوف بعد عمرٍ من السقوط…

لن ينحني مرةً أخرى بسهولة..

أما أنا…

فلم أعد مستعدة لدفن عمري كي يطمئنوا..

ولا لقتل صوتي كي يشعروا بالسيطرة..

ولا للعودة إلى تلك الفتاة التي كانت تخشى الجميع إلا نفسها..

لقد انتهى ذلك الزمن..

ومن لم يحتمل نسختي القوية..

فليختنق بذكريات النسخة الضعيفة التي ماتت إلى الأبد….

اترك تعليقاً