بقلم أ.د محمد شايع الشايع
استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود

تكتسي الرحلات الميدانية حلةً معرفية استثنائية حين يقود زمامها خبيرٌ يمزج بين صرامة المنهج العلمي وعمق التجربة الوجدانية. وفي رحلةٍ استقصائية عابرة للفيافي امتدت لأكثر من 5000 كيلومتر، تجلّت ملامح القيادة البيئية في شخص سمو الأمير متعب بن فهد الفرحان، إذ لم تكن تلك المسافة مجرد عبورٍ جغرافي، بل كانت مهمة استراتيجية بمعايير تقنية أشرف خلالها سموه على برامج إعادة توطين الكائنات الفطرية في محمية الملك سلمان بـ عرنان، متبعاً أدق بروتوكولات الإطلاق والرصد لضمان تكيّف هذه الكائنات مع مكانتها الإيكولوجية الجديدة.

ومن تلك النقطة، انطلقت رحلة التحقق الميداني والتقييم، حيث انبرى سموه يدرس التغيرات الحيوية بروح العالِم، ويحلل مؤشرات الاستدامة بعقل المستشار، مستحضراً تأثيرات برامج السعودية الخضراء ودعم سمو ولي العهد –حفظه الله– لقطاع البيئة. وقد استخدم سموه أدوات الرصد والتدوين الرقمي لتوثيق الحالة الراهنة للنظم البيئية، في مشهدٍ يجسد التلاحم الحي بين الأطروحات النظرية والتطبيقات الميدانية المعاصرة، بمنهجٍ تطوعي طموح مدعومٍ بالعلم الراسخ وحب الوطن.

ودون تخطيطٍ مسبق، بل بسياق العمل الدؤوب، حطت الرحال في جبل قطن، تلك الألماسة البيئية والأيقونة التضاريسية المهيبة. وكان لنا شرف مرافقة سموه لنقف على نموذجٍ حي لشخصيةٍ تشربت أدبيات علوم الأرض من مدرسة والده الراحل الأمير فهد الفيصل آل سعود أول أمين للرياض، فاجتمعت في سموه دقة المتخصص وعاطفة المحب للوطن. بدأت جولتنا بحديثٍ تقني ذي شجون عن شجرة طلح اقتلعتها السيول جراء التدهور الهيدرولوجي الناتج عن التعديات البيئية (نهل الرمال)، وهو الموقف الذي استنهض حسه المسؤول لتقييم الأثر البيئي وإبلاغ الجهات المعنية التي باشرت الحالة بمهنية عالية، لتتحول تلك الحادثة إلى درسٍ في الفلسفة الإيكولوجية وضرورة حماية التربة من الانجراف وحفظ الموارد الحيوية من الاستنزاف الجائر.

إن الرؤية التي يحملها الأمير متعب بن فهد، بوصفه مستشاراً ومظلةً معرفية عبر ارتباطه بجامعة معرفة آل سعود الحصيفة، تتجاوز التوصيف التقليدي للمناطق الطبيعية ككتل جيولوجية صماء، بل يقرؤها بوصفها منظومات حياتية وديناميكية متكاملة. وقد عكست نقاشاته في روابي قطن وأوديتها فكراً أكاديمياً رصيناً يرى في غابات الأكاسيا رئةً طبيعية ومختبراً حياً للبحث العلمي، داعياً إلى تكريس مفهوم التنمية الرشيدة والذكية، تلك التي توازن بدقة بين متطلبات الاستجمام البشري وبين الحفاظ على المكون الفطري (النباتي والحيواني)، بما ينسجم مع المستهدفات الوطنية لبناء مستقبل أخضر مستدام.

وفي سياق هذا الوعي المؤسسي، تبرز أهمية تحويل المجتمع المحلي إلى حارس بيئي وشريك استراتيجي، وهي العقيدة التي يتبناها سموه لتمكين سكان المنطقة من تطبيق مبادئ الامتنان المنتج والولاء العميق عبر حماية الأشجار وتفعيل المبادرات النوعية، إيماناً بأن الاستدامة الحقيقية تتطلب تكامل البيانات العلمية مع الشراكة المجتمعية الفاعلة. وخلال هذه الرحلة، لمسنا فكراً يرى أن تقويم السلوك البشري تجاه الطبيعة واجبٌ وطني تترجمه ميدانياً توجيهات سمو الأمير فيصل بن مشعل بن سعود، أمير منطقة القصيم، الذي يبارك تحويل جوهرة قطن إلى بيئة فطرية ذكية وجاذبة، ورافدٍ سياحي يدعم الاقتصاد الأخضر في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أيده الله.
ومع خيوط الغروب التي صبغت صخور قطن بألوان الوداع الدافئة، ترسخت في الوجدان القيمة الحقيقية لهذه الرحلة، فهي لم تكن انتقالاً مكانياً بقدر ما كانت يقظة علمية قادها خبيرٌ يمتلك لغة البيانات وروح المكتشف. إن تجربة جبل قطن ستبقى نموذجاً لكيفية استخلاص المعرفة من قراءة وجوه الجبال وتتبع مسارات الأودية، لتظل حجر زاوية في بناء مستقبل بيئي واعد. كل الشكر لسمو الأمير وصحبه، وللجهود المقدرة من محافظ عقلة الصقور الأستاذ تركي الربدي، ورئيس بلديتها المهندس خالد الشلاحي، ورئيس مركز قطن ممدوح الديري. بدعم القيادة وفقها الله أهالي محافظة عقلة الصقور والبيئيين معهم نعيش ونحلم ونطمح بأن تظل جبال قطن غربي القصيم مزاراً سياحياً وحراكاً اقتصادياً يدعم استراتيجية وطننا في خفض الانبعاثات الكربونية وترشيد صيانة الموارد الطبيعية.

mshayaa@gmail.com

اترك تعليقاً