بقلم الكاتبة:نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية ـ رفحاء
في زوايا الذاكرة، هناك معلمون لا يغيبون مهما طال الزمن، لأنهم لم يكونوا مجرد ناقلي معرفة، بل كانوا قلوبًا نابضة بالعطاء. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ محمد سالم العقيد يرحمه الله ، ذلك المعلم الذي لم يرَ في طلابه مجرد أسماء في سجل، بل أبناءً يستحقون الرعاية والاهتمام.
كان محمد سالم العقيد مثالًا حيًا للحنان والطيبة، يفتح قلبه قبل فصله، ويمنح من وقته وجهده بلا حساب. لم يكن التعليم عنده مهنة يؤديها، بل رسالة يعيشها بكل تفاصيلها. كان يشعر باحتياجات طلابه حتى قبل أن يعبّروا عنها، فيمد لهم يد العون بحب صادق.
في أيام الشتاء الباردة، حين تقسو الظروف على بعض الطلاب، كان يقف كالأب الحاني، يجلب لهم الملابس ليدفئ أجسادهم، ويحرص أن لا يقف أحد منهم مرتجفًا من البرد. لم يكتفِ بذلك، بل كان يدهن أيديهم الصغيرة ليحميها من التشقق، وكأن كل يدٍ منهم هي يد أحد أبنائه. وخلال فترة الفسحة، كان يشعل النار ليجمعهم حولها، لا ليمنحهم الدفء فقط، بل ليزرع فيهم شعور الأمان والانتماء.
وكان من أجمل ما يميّزه أنه كان يعطي جميع طلابه دون استثناء، حتى لا يشعر أحد منهم بالنقص أو الاختلاف عن غيره. كان يؤمن أن العدالة في العطاء تصنع كرامة في النفوس، وتزرع المحبة بين القلوب، فكان يحرص أن يكون الجميع سواء في اهتمامه ورعايته.
ولم يقتصر أثره داخل أسوار المدرسة، بل امتد إلى بيوت طلابه، فزرع محبته في قلوب الآباء والأمهات. كانوا يرون في أبنائهم أثر يديه الحانية، فيدعون له بصدق في كل وقت، وأصبح اسمه حاضرًا في دعواتهم، مقرونًا بالخير والامتنان.
وكان، فوق ذلك كله، يغرس في طلابه قيم العطاء والتكافل، فيعلّمهم أن الإنسان الحقيقي هو من يشعر بغيره ويقف إلى جانبه. فكبر طلابه وهم يحملون شيئًا من روحه، يعكسون ما تعلموه منه في حياتهم ومجتمعهم.
بهذه المواقف البسيطة في ظاهرها، العظيمة في معناها، استطاع أن يترك أثرًا لا يُمحى. لم يكن يعلّمهم الحروف والكلمات فحسب، بل علّمهم الإنسانية، الرحمة، والعدل. خرج أجيالًا لا تحمل العلم فقط، بل تحمل القيم التي غرسها فيهم بصمت.
إن الحديث عن محمد سالم العقيد هو حديث عن نموذج نادر لمعنى المعلم الحقيقي؛ ذلك الذي يبني الإنسان قبل أن يبني عقله. سيبقى اسمه حاضرًا في قلوب من عرفوه، شاهدًا على أن التعليم حين يكون رسالة، يصنع فرقًا يمتد أثره لسنوات طويلة.
ويا ليت هذا النهج النبيل يكون ديدن كل معلم ومعلمة، فيحملون رسالتهم بصدق، ويجعلون من فصولهم أماكن للعلم والرحمة معًا، فالأمم لا تبنى بالمعرفة وحدها، بل بالقيم التي تزرع في النفوس.
رحم الله كل معلمٍ أعطى بصدق، وجعل من علمه نورًا ومن إنسانيته أثرًا لا يزول.