بقلم الكاتبة:نجاح لافي الشمري

الحدود الشمالية

رفحاء

في المساحات التي لا تُعرِّف نفسها بوضوح… تتكاثر الاحتمالات، وتثقل الروح بما لا يمكن الإمساك به. هناك، حيث لا يحدث شيء صريح، ولا ينتهي شيء بشكلٍ كامل، تتشكّل أكثر التجارب غموضًا. ليس لأن الواقع قاسٍ، بل لأن الإمكان كان حاضرًا… ثم اختار أن لا يتحقّق.

الألم لا يأتي دائمًا من الفقد، بل من ذلك القرب الذي لا يكتمل. من أملٍ كان ملموسًا بما يكفي ليُصدَّق، لكنه لم يكن صادقًا بما يكفي ليحدث. كأنك تقف أمام بابٍ مفتوح، ترى ما خلفه بوضوح، لكنك لا تُدعى للدخول… ولا يُغلق الباب أيضًا.

ليس الغياب ما يُتعب، بل هذا النوع من الحضور؛ حضورٌ يملك القدرة، لكنه لا ينحاز. يعرف، يرى، يستطيع… لكنه يكتفي بالمراقبة، كأن الفعل خيار يمكن تأجيله بلا ثمن. وفي هذا التأجيل، يتسرّب شيء خفي، لا يُرى لكنه يترك أثره في كل زاوية من الداخل.

وهنا، لا تكون الخيبة صريحة. لا أحد قال “لن أفعل”، ولا أحد أعلن الانسحاب. كل شيء ظلّ معلقًا، في منطقةٍ رمادية، حيث لا الوعود تُكسر، ولا تتحقق. مجرد احتمالات مؤجلة، وأفعال لم تخرج من حيّز الإمكان.

الإنسان قد يتصالح مع الرفض، مع العجز، مع النهايات الواضحة. لأن الوضوح — مهما كان قاسيًا — يمنح راحة معينة، يضع حدًا للأسئلة. لكن ما يُترك دون حسم، ما يبقى مفتوحًا بلا نتيجة، هو ما يستمر في الاستنزاف. ليس كجرحٍ حاد، بل كثقلٍ هادئ… لا يغادر.

لأن أصعب ما في الأمر، ليس أن لا يحدث الشيء…

بل أن تعرف أنه كان ممكنًا، وبسيطًا، وقريبًا…

ثم لم يحدث.

هناك فرق خفي بين من لا يستطيع، ومن يستطيع ولا يفعل. الأول يُؤلمك للحظة، أما الثاني… فيبقى معك أطول مما ينبغي. يتحوّل إلى سؤال، ثم إلى صدى، ثم إلى شعور لا اسم له. شيء بين الخذلان والتفسير، بين الإدراك والإنكار.

ومع الوقت، لا تختفي هذه المساحة… بل تتسع.

تبدأ بموقف، ثم تمتد لتلامس أشياء أخرى: ثقة تُعاد صياغتها، توقّعات تُخفض دون إعلان، وحدود تُبنى بصمت. كأن الروح تتعلّم — دون أن تقرر — أن لا تراهن كثيرًا على ما لا يُحسم.

تصبح أكثر حذرًا… لا من الرفض، بل من الوعود المعلّقة.

أقل اندفاعًا… لا خوفًا من الخسارة، بل تعبًا من الانتظار.

وأهدأ ظاهريًا… لكن بداخلها ضجيج من أسئلة لم تجد طريقها للإجابة.

لأن ما يُرهق حقًا، ليس الموقف نفسه، بل إعادة التفكير فيه.

تفكيكه مرارًا: هل كان يمكن؟ هل كان واضحًا؟ هل كان مقصودًا؟

وكل مرة، لا تصل لنتيجة… بل تعود لنفس النقطة:

كان ممكنًا… وهذا يكفي ليبقى.

 

وفي لحظة ما، يتغيّر الإدراك بهدوء.

لا لأن الإجابة ظهرت، بل لأن السؤال فقد قدرته على الإلحاح.

ليس شفاءً كاملًا… بل نوع من التعايش مع فراغ لم يُملأ.

 

تدرك أن بعض الأشياء لا تُفهم، بل تُترك.

وأن بعض الأبواب، حتى لو بقيت مفتوحة، لا تستحق الوقوف طويلًا أمامها.

ليس لأن ما خلفها بلا قيمة… بل لأن الانتظار عندها استنزف ما يكفي.

ومع ذلك، يبقى الأثر.

ليس كألمٍ واضح، بل كمعرفة صامتة:

أن الأمل، حين يقع في يدٍ لا تتحرّك… لا يموت مباشرة،

بل يذبل ببطء،

حتى يتحوّل من رغبةٍ في الحدوث…

إلى ذكرى لما لم يحدث.

 

ربما لهذا، لا تكون أقسى الخيبات تلك التي تأتي من النقص،

بل تلك التي تولد من قدرةٍ… لم تُستخدم.

لأن الإمكان، حين يُهمَل، لا يختفي،

بل يبقى معلقًا في الداخل،

كاحتمالٍ قديم…

لا يعود،

ولا يرحل.

اترك تعليقاً