أدينه أحمد سعيد زاده
أستاذ بجامعة طاجيكستان القومية

للعَلَمِ مكانةٌ خاصّةٌ في تاريخِ حضارةِ الشعبِ الطاجيكي العريق، إذ يُعَدُّ رمزًا للاستقلال والحرية وللهويّةِ والوعيِ الوطني بعدَ تفكّكِ المجتمعِ البدائي وظهورِ أوائلِ الدول، ظهرتِ الأعلامُ أيضًا بخصائصَ متنوّعةٍ من حيثُ البنيةِ والمضمون. ومع نشوءِ أولى الدولِ المركزية واتّساعِ مظاهرِ الثقافةِ والحضارة، أصبحتِ الأعلامُ أكثرَ تعقيدًا من حيثُ المعنى والمحتوى والبنية، واتّسعت أبعادُها الدلاليةُ والرمزيةُ كذلكيشهدُ التاريخُ أنَّ أسلافَ الشعبِ الطاجيكي كانوا منذُ فجرِ التاريخ، ومنذُ بدايةِ الحضارةِ الإنسانية، يمتلكون رايتَهم ورمزَهم القومي، وكان يُطلَقُ عليه «المِحراب» أو «فَرِّ الأريائي»، وهو يعبّر عن رمزِ الشمس، والطهارة، وعلامةِ الخلود، وإشارةٍ إلى العناصرِ الأربعة: التراب، الماء، النار والهواء التي تُعَدُّ أساسَ وجودِ الكون

في تاريخِ رفعِ الأعلام لدى الأممِ المتحضّرة في العالم، يُعَدّ «دِرَفْشُ كاوَياني» واحدًا من أقدمِ الراياتِ المعروفة والمُعترَف بها، وقد كان ورثةُ هذا الشعبِ العريق يحفظونه رمزًا للحرية والاستقلالِ التاممن خلال دراسةِ المصادرِ التاريخية والأدبية يتبيّن أنَّ الرايةَ في جغرافيا الشعوبِ الآرية اكتسبت شهرةً عبر التاريخ بألفاظٍ مثل: دِرَفْش، عَلَم، رَايَة، لِوَاء وبَيْرَق، ودخلت حيّزَ الاستخدام بهذه التسمياتوقد قدّم المؤرّخُ الطاجيكي الشهير في العصورِ الوسطى، ومؤسِّسُ منهجِ التدوينِ التاريخي السنوي، محمد جرير الطبري، معلوماتٍ كهذه حول تاريخِ الرايات لدى الآريين ـ الطاجيك، حيث قال: إنّ مُلكَ الآريين كان خاصًّا ببيتِ هوشنگ وجمّ (أي البِيَشداديّين) ويذكر الطبري في موضعٍ آخر أنه عندما انتصر كاوَه (كابي)، كان الناس يتبرّكون بالدِّرَفش ويزيدون عليه، حتى أصبح دِرَفشًا عظيمًا لملوكِ العجم، وسمّوه «دِرَفشِ كابِيَّان». وكان هذا الدِّرَفش لا يُرفَعُ إلاّ في الأحداثِ العظام، وكان يكونُ في يدِ الأمراء فقط

تاريخِ نشوءِ الدِّرَفش وفترةِ حياةِ وحكمِ فريدون وكاوَه ليس بالأمر السهل، فهو يتطلّب جهدًا كبيرًا وأدلةً وبراهينَ قوية. وقد نسب الطبري زمنَ حكمِ زَهْهَك وفريدون إلى فترةٍ تاريخية بعيدة، وهذه الفرضية تقريبا تتوافق مع الألفية الثالثة قبل الميلادهذا الرأي جديرٌ بالدعم، وربما يكون تقليد رفع الأعلام عندنا – الآريين – أقدمَ من ذلك. لأنَّ شهادةَ المصادرِ التاريخية تشير إلى أنَّ أسلافَنا الطاجيك كانوا منذ فجر التاريخ يمتلكون حضارةً وثقافةً خاصةً ومقدساتٍ وطنية، وحتى في الألفيات الرابعة والثالثة قبل الميلاد، في زمنٍ لم تظهر فيه أغلبُ شعوبِ العالم على المسرحِ التاريخي بعد، وبالتحديد في زمن حياة إبراهيم، الذي أسهم في تشكّل شعبين عظيمين – الساميين والعبريين – بل وحتى بعد حادثة الطوفان لدى نوح، أسسوا اتحاداتهم وأنشأوا أولى الدولِ المركزية. إنّ نشوء أولى الدولِ الآرية لدى البيشداديين والكاويين يشهد على ذلك، ووفقًا لمعلومات المصادر التاريخية، فقد تشكّلت أولى الرايات الآرية في زمن حكمهم

تتوافق مرحلةٌ أخرى فخورة من تقليد رفع الأعلام عندنا مع زمنِ الأخمينيين، والفرسِ البارثيين، والساسانيين. فقد كان الأخمينيون أيضًا، إلى جانب اعتماد «دِرَفْشِ كاوَياني» كراية رسمية لدولتهم، يفخرون بها ويعرضونها في الاحتفالات الرسمية للدولة. في هذا العصر، زُيِّنَ «دِرَفْشُ كاوَياني» بالألوانِ الأبيض والأحمر والأرجواني، وكان يوحّد شعوبًا تزيد عن 23 ساترابًا تحت فكرة الدولة الواحدة. وخلال القرون الطويلة، تعرّض «دِرَفْشُ كاوَياني» لتغييراتٍ عديدة على يد ملوك كاويين والأخمينيين. ووفقًا لمعلوماتِ البيروني، كان كل ملكٍ جديد يُضيفُ جوهرةً للحفاظ على اسمه. ومع مرور الزمن، أصبح على «دِرَفْشِ كاوَياني» تصويرُ النسر (لاحقًا طائرُ هومو) يحمل في مخالبه كرتين، وقد فسّر المؤرخون هذا بطرقٍ مختلفة، مشيرين بذلك إلى حكومتهم الأرضية والسموية
في زمنِ اشكانيان كان «دِرَفْشُ كاوَياني» يُعتبر عزيزًا ومكرّمًا، ولم يُعرَض إلا في الاحتفالات والمراسيم الرسمية. وفي هذه الفترة أصبح

«دِرَفْشُ كاوَياني» يحتل مكانةً أكثر بروزًا، وبجانب هذه الراية، كان لكل بطلٍ أو قائدٍ أو فارسٍ رايته الخاصة، وفقًا لتعبير الفردوسي، وكان في وسط الجيش يُراقَب «دِرَفْشُ كاوَياني» ويُرفع بواسطة فرقةٍ خاصة. على سبيل المثال: إضافة الشمس في مركز «دِرَفْشِ كاوَياني» والقمر والأرض على رمحها من قبل كايكافوس، راية برمز التنين ورمح الأسد من رستم طهمتن، راية بصورة الفيل من توسِي البطل، راية بصورة الأسد من گودرز شيرافكان، وراية بصورة الغزال من سياووش.

كما أن البارثيين أضافوا القمر الناقص والأرض على رمح «دِرَفْشِ كاوَياني»واصل الساسانيون، بقيادة ملوكهم المشهورين أردشير باباكان، وشاپور الأوّل، وخسرو أنوشيروان، وخسرو بروز، تقاليد الحكم لدى أسلافهم، وخاصة الأخمينيين، وأسسوا إمبراطورية عظيمة، حيث وحدوا تحت «دِرَفْشِ كاوَياني» أكثر من 70 قبيلةً وشعبًا من شعوب ذلك الزمان. وقد ضغط ملوك الساسانيين في الغرب على موقع روما، ووسعوا نطاق تأثير راياتهم وشعاراتهمكان لتقليد رفع الأعلام في عهد الساسانيين شكله وأسلوبه الخاص، حيث كانوا يضعون حاملي الرايات في الصفوف الأمامية في جميع المعارك، وبعد النصر كانوا يدخلونها باحتفال إلى العاصمة.

وقد أضاف الساسانيون إلى «دِرَفْشِ كاوَياني» عناصر، مثل تصوير مربع يعبّر عن الجهات الأربع للعالم والأربعة عناصر المقدسة، وفي مركزه صورة الشمس، وكانوا يحافظون عليها دائمًا قد لا يصدّق الناس اليوم قيمةَ الجواهر في ذلك العصر، لكن يجب أن نعرف أنَّ حجم «دِرَفْشِ كاوَياني» وفقًا لمعلومات الطبري كان «ثمانية إلى اثني عشر ذراعًا» (ويعادل الذراع الحديث 0.60 متر تقريبًا)، أي بعرض 5 أمتار وطول 7 أمتار. وبعد سقوط الساسانيين وانهيار الدولة الوطنية الذي استمر نحو مئتي عام، أعيد إحياء تقليد رفع الأعلام، ففي زمن حكام خراسان الكبرى المحليين – الصفاريين، الطاهريين، السامانيين، البويهيين، المظفريين، الأكراد في هيراث، السربادرون – تم رفع أعلام ودِرَفشات مختلفة كرمز لإحياء الأمة العريقة والحضارية تحت أسماء الشعب والجغرافيا الكبرى لخراسان.

وفي مرحلة أواخر العصور الوسطى فقط، وبسبب خيانة بعض المتعاونين وإثارة الأجانب، استطاعت رايات وأعلام أجنبية مختلفة أن تحل محل «دِرَفْشِ كاوَياني» أو أعلامنا الوطنية في 24 نوفمبر 1992، اعتمد المؤتمر السادس عشر للمجلس الأعلى لجمهورية طاجيكستان الشارة والعلم الوطنيين بالشكل الحالي، حيث تَكوّن العلم الوطني من ثلاثة ألوان: الأحمر، الأبيض، والأخضر، مع صورة التاج وسبعة نجوم، ولكلّ منها دلالتها التاريخية والسياسية الألوان الوطنية للطاجيك، كما عند باقي الشعوب الآرية والإيرانية، هي الأحمر والأبيض والأخضر، وقد وصلت إلينا منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا. وفي رسالته التلفزيونية بمناسبة يوم العلم بتاريخ 23 نوفمبر 2010، وصف رئيس جمهورية طاجيكستان، إمام علي رحمن، ألوان العلم الوطني بأنها «تعكس الطريق التاريخي لشعب طاجيكستان وتعبّر عن القيم الثقافية والوطنية والسياسية»، وقال: «اللون الأحمر رمز للنضال وتضحية الشعب من أجل الحرية والاستقلال، واللون الأبيض علامة على السعادة والحظ والأمل والطموح، واللون الأخضر دلالة على الخضرة والازدهار والرفعة والخلود. وفي وسط العلم توجد صورة التاج والسبع نجوم، التي تشير إلى الجذور التاريخية لدولة طاجيكستان المستقلة».

وفي سبتمبر 2011، بمناسبة الذكرى العشرين لاستقلال الدولة، رفع أعلى علم في العالم بارتفاع 165 مترًا في قلب عاصمة جمهورية طاجيكستان، كبيت للأمل للطاجيك في جميع أنحاء العالم، ليكون رمزًا لاستمرار الدولة الطاجيكية المستقلة ودلالة على توحيد جميع الطاجيك حول العالم.

اترك تعليقاً