الدكتور / مؤنس شجاع  كاتب رأي – إنسان

لقد عمت الفرحة كافة الشعوب العربية عندما سقط نظام بشار وحزبه في الثامن من ديسمبر لعام 2024م ولكن سرعان ما نُغِصّت تلك الفرحة عندما شاهد الجميع ما قام به طيران إسرائيل خلال ساعات عقب سقوط النظام البائد في سوريا حيث قامت بقصف وتدمير لكافة المواقع العسكرية والمخازن وحتى القطع البحرية العسكرية السورية من زوارق ودوريات وحسب تصريح وزير الحرب الإسرائيلي وقتها أفاد بأنه تم شن أكثر من 300 غارة جوية وهي تعتبر أكثر مرة بتاريخهم منذ تأسيس ذلك الكيان على أرض فلسطين المحتلة !

ولكن الاعتراف العربي والدولي بالحكومة السورية الانتقالية كان له الدور الكبير في بث الفرح والسرور للسوريين وللعالم العربي ، فما تلاه من تبادل دبلوماسي وفتح سفارات ورفع عقوبات سيكون بإذن الله له الفضل في إعادة سوريا إلى ما تستحقه من مكانة ووضع عالمي عبر إعادة الإعمار والتطوير والتنظيم لتعود بلاد الشام لما كانت عليه قبل تلك الحقبة السوداء من النظام البائد لتحاكي بها التطور والتقدم العالمي والذي كي يتم لابد له من بيئة حاضنة واستقرار وسلام مميز يشجع على ذلك التطور.

حالة من السلم ” السلبي “

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

ما أن انتهت أحداث الساحل السوري حتى بدأت مقدمات لما هو جاري حالياً من محاولات لزرع الفتن الطائفية بين مكونات الشعب السوري العريق ، حيث بدأت شرارة تلك الفتنة بنشر تسجيل صوتي مصاحب لصورة احد مشايخ الدروز فيه تعرض لمقام رسول الهدى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، وما بين ليلة وضحاها تم تأجيج الأمر واستنفر الشارع المسلم بغيرته من استنكار واستهجان سرعان ما تحول لاشتباكات بين أفراد المجتمع والوطن الواحد راح ضحيته العشرات من الأبرياء من موطنين ورجال الأمن ليتضح عقب تحليل ذلك التسجيل الصوتي أنه تم عبر الذكاء الاصطناعي حسب تصريح وزارة الأعلام السورية !

السويداء تدفع الثمن !

}كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64){

كان في محافظة السويداء مسألة شائكة تسعى الحكومة الانتقالية لحلها حيث هناك صوت معارض يقوده الشيخ الروحي للدروز ” الهجري ” وكان هناك عدة مشايخ يختلفون معه بالرأي حيال ذلك بموقفهم المؤيد لانتشار الأمن وعودة المؤسسات الحكومية ، وما بين ليلة وضحاها انتشر خبر التعدي على أحد تجار الدروز خلال عودته من دمشق وأخذ بضاعته مما أدى إلى نشوء مناوشات بين أفراد المنطقة الواحدة وتبادل الخطف ، مما استوجب تدخل القوات الحكومية التي دخلت للمدينة وسرعان ما خرجت منها بعد الضربات الإسرائيلية ! تلى ذلك اتهامات من قبل مجموعة الهجري لوجود ممارسات لمنتسبي قوى الأمن بحق المدنيين في السويداء ” أظهرت الفيديوهات خلال الأيام الماضية العديد منها ” اتخذتها جماعة الهجري ذريعة وقاموا بتهجير إخوتهم من البدو ، وما تلى ذلك من تجييش للرأي العام وتوافد ما أطلق عليه ” فزعة العشائر ” وما صاحبه من اشتباكات وقتلى من كلا الأطراف حتى أن أفراد عشيرة بني معروف المتواجدون كمواطنين لدى إسرائيل ساهموا أيضاً في تلك المعركة ومن باب ” فزعة العشيرة ” لبني عمهم الدروز عبر الطيران المسير ، ولكن لننظر ما الذي حدث من انتهاكات يندى لها الجبين دفع الأبرياء ثمنها من قتل وحرق للمنازل ومفقودين إلى أن تم عمل اتفاق لوقف إطلاق النار قابله التزام الحكومة الانتقالية بالتحقيق ومحاسبة كل من قام بانتهاكات من قبل الأمن التي انتشرت مؤخراً ، لكن السؤال هنا من هو المستفيد من تصعيد تلك الخلافات التي في مجملها كان يمكن أن يتم حلها بصورة سلمية وتجنب مثل ذلك التصعيد !

أمن الكيان و مشروع ممر داود الإسرائيلي ” مهمة تاريخية وروحية”

إن هذا المشروع الإسرائيلي هو خطوة نحو مملكة إسرائيل الكبرى حسب معتقدهم ، ولعل استخدام ورقة الدروز كذريعة والسماح لمشاركة دروز إسرائيل بالمعركة عبر الطيران المسير كان هدفه المعلن هو تدريب القوات الإسرائيلية على التعامل مع الحشود البشرية في حال هجومهم عليها حسب اعلامهم !.

وفي عام 1994 م خلال لقاء صحفي قال نتنياهو عند مقارنته بين سيناء والجولان أن في سيناء لو حصل نقض لمعاهدة السلام ستحتاج القوات المصرية لسبعة أيام للوصول إلى إسرائيل بينما في الجولان لن يأخذ الأمر أكثر من سبعة ساعات ! وهذا الهاجس حسب رأيه هو ما أدى إلى تقدم القوات الإسرائيلية لتتجاوز خط وقف إطلاق النار المتفق عليه منذ 1974 م خلال الشهر الماضي والسيطرة على عدة نقاط بعضها يبعد قرابة 10 كم عن العاصمة دمشق مما يعني نقض إسرائيلي لتلك الاتفاقية !

محاربة لمحاولات التهدئة!

مشهد الإطلاق على مأذنة مسجد السويداء الكبير

منذ وقف إطلاق النار قبل عدة أسابيع هناك عدة خروقات تحصل بين حين وآخر ومشكلة في وصول المساعدات إلى المتضررين بالسويداء يطلق عليه ” محاصرة” من قبل أهل المحافظة بينما تتذرع حكومة إسرائيل بذلك لفتح ممر إنساني للمساعدات بوساطة أمريكية تمت مناقشته خلال اجتماع الأردن ، وما أن صرح وزير الخارجية السوري بأن ما حدث بالسويداء مؤامرة إسرائيلية حتى عادت لنا تطل الفتنة برأسها من جديد عبر مشهد لقصف مسجد السويداء الكبير والذي تبين أنه في أول يوم من الاشتباكات من الشهر الماضي وهو مدان وغير مقبول التبرير بأنه كان به قناص ، مع العلم بأن المسجد قام ببنائه أبناء السويداء تمثل أجمل حالات السلم الأهلي بين مكونات المجتمع السوري بقطعة تبرع بها أخو الأمير سلطان الأطرش عبدالغفار وتم بناءه على نفقة آل الأطرش وتحت إشراف الأمير سلطان الأطرش بنفسه ، يتضح لنا أن هناك أيدي خفية متغلغلة في المجتمع تسعى لوأد أي محاولة للتهدئة !!

كلمة أخيرة لمحاربة غسيل الدماغ

إن المتفرج على المشهد كصورة كليه يتضح له أن هناك من يسعى لعدم نهضة سوريا ككيان واحد ومجتمع مسالم متصالح عانى خلال خمسة عشر عاماً من نظام دموي مجرم ، ويتم ذلك من خلال غسيل الدماغ عبر تجييش مكونات المجتمع ضد بعضهم الآخر باستخدام إستراتيجية صناعة العدو الوهمي فكل ما تحتاجه هو فديو ولو مفبرك وتكرار كافي من قبل مرتزقة الإعلام والمؤثرين حتى تترسخ في ذهنك تلك الرواية ويتم توجيه سلوكك وكأنه اختيارك بلا وعي ولا إدراك بينما أنت تخدم هدف آخر لعدو حقيقي !!!

اترك تعليقاً