الدكتور / مؤنس شجاع
كاتب رأي – إنسان

لقد فرح الجميع بما حدث في سوريا بزوال النظام البائد وعودة بلاد الشام لأهلها وما صاحب ذلك من فرح وسرور عندما استقرت سوريا و بدأت الحكومة الانتقالية الجديدة بالعمل في خطوات متسقة ومتسارعة تسابق الزمن لإعادة إعمار وإصلاح لذلك الوطن المنهك والذي عانى أهله لعشرات السنين من التهجير والقتل والدمار والانقسامات خلال تلك الحقبة المؤلمة !

وكما هو الحال في هذه الحياة فإن صفوها لابد أن يتعكر ولعل ما وقع من أحداث بالساحل السوري خلال العام الحالي أعادت إلينا مشهد خطورة عدم استباب الأمن وأهمية بسط الدولة سيطرتها على كافة بقاع أرضها ، ولعل ما صدر بالأمس من تقرير لجنة التحقيق المشكلة من قبل الحكومة السورية هو من أهم الخطوات التي من شأنها بث الطمأنينة عندما تكتمل بإدانة المتورطين بالأحداث ومحاكمتهم لينالوا جزائهم الرادع .

لم تكاد تهدأ تلك الأحداث إلا وقد اشتعلت شرارة جديدة في جنوب سوريا بجبل العرب في محافظة السويداء ديار عشيرة بني معروف العربية العريقة ذات التاريخ الممتد لعدة قرون وبين إخوتهم من البادية وبالرغم من العيش المشترك والتاريخ والمصير الواحد خلال تلك السنوات وبالرغم من حدوث عدة حالات متفرقة بسيطة من مشكلات إلا أنه كان يتم تجاوزها وتعاد الأمور إلى طبيعتها الودية عن طريق العقلاء ومجالس الصلح وما إلى ذلك .

لست أتطرق هنا لتحليل ملابسات وخلفيات تلك الشرارة التي أحرقت وبكل أسى المدينة وأهلها من بني ومعروف والبادية وامتدادها وتبعياتها وهل كان بالإمكان تجنبها أو تأجيلها بحلول أخرى فلا أفقه بالسياسة لكوني شخص إداري ؛ إنما أدعو هنا إلى مناقشة الجانب الإنساني من منطلق عقيدتي الإسلامية السمحاء والتي تدعوا إلى التسامح والعيش المشترك ونبذ الفرقة ، فقد شاهدنا عدة حوادث خلال الأيام الماضية لأفراد مدنيين ونساء وأطفال ذهبوا ضحية تلك الخلافات بين مكونات المجتمع الواحد بلا أدنى ذنب ناهيك عن حرق وتهديم البيوت ونهبها !

ولكن ما شد الانتباه هو انتشار مشاهد لأشخاص بالزي العسكري بالصوت والصورة وهم يقومون بأعمال لا تليق بالبشر ناهيك أن تصدر من قبل أشخاص يفترض بهم أن يكونوا مصدر الأمان أهمها هو الإعدام الميداني لعدة رجال مدنيين والقتل بدم بارد لشيخ طاعن بالسن خرج ليبحث عن خبز يسد به جوعه وآخر كبير بالسن قُتل بالرغم من صياحه بأنه مواطن سوري ولكن كل ذنبه أنه يتبع العقيدة الدرزية !

تأثير الشيطان

لن أتكلم هنا عن حقوق المواطنة وأن الجميع سواسية أمام القانون الذي يفترض به حماية الجميع وتسلسل في المحاسبة والرقابة وضمان عدم تكرار الأخطاء ، في كتاب البروفيسور الأمريكي زيمباردو بعنون ” تأثير الشيطان – كيف يتحول الأخيار إلى أشرار “ وهو عالم نفسي ناقش خلاله كيف تحول حراس سجن أبو غريب من أشخاص محافظين على الأمن إلى أدوات تعذيب وقهر للمساجين بل وقتلهم فالبروفيسور زيمباردو هو صاحب تجربة سجن ستانفورد النفسية في السبعينات ميلادية والتي أثبت بها أن الأشخاص في طبعهم مسالمين ولكن إذا ما تهيأت الأسباب وانعدمت الرقابة فإنهم يتحولون إلى وحوش خصوصاً مع امتلاك الأدوات لذلك !

فحسب كتاب تأثير الشيطان فإن نتائج تلك الأعمال الوحشية تعود إلى التغذية الذهنية السابقة لتلك العمليات من خلال حرف التفكير وغسل الدماغ وترسيخ الصورة الذهنية التي تحقر الآخرين ” شركاء الوطن ” عبر التقليل من شأنهم وحقوقهم واستباحة دمهم التي تتم من خلال نزع صفتهم الأنسان وتسميتهم بمسميات لا إنسانية مثل ” شي – خنازير – جرذان …” بالإضافة إلى انعدام الرقابة والقيادة في الميدان فالشيخ الطاعن بالسن صاحب مقولة ” كنت رايح أجيب خبز ” لم يسأله الجنود هل أنت مع الجماعة المتمردة أو حتى هل أنت محارب معك سلاح ، بل بادروا بقتله بدم بارد على الفور والاستهزاء به فقط لكون يلبس الزي الدرزي للشيوخ ، دعونا نقف قليلا عند هدينا النبوي ” عندما مرت جنازة يهودي قام الحبيب المصطفى ، فقال له الصحابة تقف لجنازة يهودي ! قال صلى الله عليه وسلم أليست نفساً _ صحيح مسلم ” فإن احترام النفس الإنسانية التي أودع الله بها سر الحياة وهي متوفاة هو تعظيم لخالقها سبحانه فما بالك في حرمة دم الأنسان وهو على قيد الحياة !!

لا تزر وازرة وزر أخرى

ولعل جريمة القتل بحق الشخص الثاني الذي سأله الجندي هل أنت درزي قال أنا مواطن سوري وعندما كرر عليه السؤال وهم مجموعة أيضاً أجاب نعم فهو شجاع لم يخفي مذهبه بالرغم من معرفته المسبقة بالنتيجة وهي استباحة دمه ، هنا يبرز لنا جانب أكثر أهمية فقد قال تعالى ” أو تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ” فكون الإنسان على مذهب آخر أو ديانة أخرى فهو مساوي لك في حق المواطنة كونه إنسان ” نفس بشرية ” فالدين الإسلامي الحنيف يمنعك أن تجبره على الإسلام ولو كان ولدك أو أخاك ، بل أنت مطالب كمسلم أن تكون خير ممثل لسماحة الإسلام وأن تدعوا إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة كما نزل بمحكم الآيات !

ختاماً هذه لمحة توضح أهمية أن يلتزم الجميع في الحقوق والواجبات بل أن من يمثل الدولة عليه مسؤولية أخلاقية الزامية ” مدونة السلوك ” وهنا يزيد الأمر سوء عند اختراقها بردة فعل عكسية ذات تبعات مجتمعية خطيرة يُمكن تجنبها في حال محاسبة الأشخاص الذين قاموا بخرقها ومحاكمتهم بشكل علني والعمل على عدم تكرارها حتى في أصعب الظروف وأعنف الاشتباكات ومن جانب إسلامي أيضاً وضح لنا الخالق سبحانه وتعالى بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ 8 المائدة ، فمعاداتك لفئة لا تسمح لك أن تعتدي على أشخاص أبرياء لكونهم من نفس مذهب أو عرق أو دين تلك الجهة التي تعاديها ، وكما قال مخترع المسدس ” كولت ” الآن يتساوى الجبان مع الشجاع !

فلا شجاعة لديك بأن تضغط على الزناد لتقتل بريئاً ! فكم من قوة تحتاج للضغط على الزناد؟؟

اترك تعليقاً