إعداد الكاتبة / د. وسيلة محمود الحلبي

اعتنى ديننا الإسلامي باليتيم، واهتم به اهتمامًا عظيمًا، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة كثيرة في ذلك، وفيها الحث على كفالته، والعناية به، والتحذير والوعيد الشديد مِن أكل ماله ظلمًا، وقهره، وسبِّه وشتمه والإساءة إليه.
نعم أيتام، ولكن علماء، أيتام وقادة، أيتام وعظماء، أيتام وأئمة…
كفاكم أبناؤنا الأيتام شرفًا وفخرًا أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا؛ فالحمد لله الذي جعل يُتمه صلى الله عليه وسلم تشريفًا لكل يتيم؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: 6]، وُلد يتيمًا، وعاش يتيمًا، فأدَّبه الله فأحسن تأديبه، حتى عمت دعوته العالم، ونشر الإسلام في كل العالم
بل إن الكثيرَ من الأنبياء عليهم السلام كانوا يتامى، منهم: سيدنا موسى عليه السلام، كان يتيمًا ترعاه أمه، ونبي الله عيسى عليه السلام ولد بلا أب لأم يتيمة هي مريم عليها السلام
فاليتيم يجِدُّ ويجتهد، وينشط ويعمل، ويتعلم ويصل إلى أعلى المناصب، وكم مِن ولد عاش في كنف والديه وأكل أفضل الطعام وأحسنه، ولبس من أجمل الثياب وأفخمه، لكنه فشل في حياته العلمية والعملية والمهنية!
نعم أيتام، ولكن علماء، أيتام وقادة، أيتام وعظماء، أيتام وأئمة…
ولو تتبعنا حياة العظماء والقادة والعلماء، لوجدنا أن اليتامى كانوا في مقدمتهم، ومنهم نماذج نفتخر بها فكانت لهم القيادة والزعامة في العلم والدعوة والأخلاق.

من هؤلاء: الصحابي الجليل أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ونقلًا له.
نشأ يتيمًا، وقدم المدينة فأسلم، ولزم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فروى عنه 5374 حديثًا، نقلها عنه أكثر من 800 رجل بين صحابي وتابعي، كان أكثرَ مقامه في المدينة، وتوفي فيها.
ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله: الذي قال: “حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين”.
لكن، مَن الذي رباه؟! اسمع وهو يُحدث عن نفسه فيقول: “كنتُ يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيه للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، وأخفف عنه”.
ومنهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: كان يتيمًا، توفي أبوه وعمره ثلاث سنوات، فمن الذي اعتنى به؟ إنها أمه، فقد حفظ القرآن وعمره عشر سنين. هذا الإمام اليتيم أعز الله به الأمة حين وقعت المحنة، فكان عظيمًا.
قال المرُّوذي: قال لي أبو سِراج بن خُزيمة: كنا مع أبي عبد الله في الكتَّاب، فكان النساء يبعثن إلى المعلم: ابعث إلينا بابن حنبل ليكتب جوابَ كتبهم، فكان إذا دخل إليهن لا يرفع رأسه ينظر إليهن من كثرة أدبه وحسن خلقه.
ومنهم الإمام الأوزاعي رحمه الله: كان يتيمًا في حجر أمه، تنقُلُه من بلد إلى بلد ليتعلم، حتى بلغ من العلم مبلغًا عظيمًا.
ومنهم الإمام البخاري رحمه الله: حبرُ الإسلام، والحافظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب الجامع الصحيح، صحيح البخاري، ولد في بخارى، ونشأ يتيمًا.
ومنهم القاضي أبو يوسف رحمه الله: يعقوب بن إبراهيم الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وأشهر تلاميذه، وقد نشأ وعاش يتيمًا فقيرًا معدمًا، لكنه كان من أعظم القضاة في الأمة الإسلامية، حتى قال عنه الإمام ابن عبد البر رحمه الله: “وهو أولُ مَن لُقِّب بقاضي القضاةِ”.
وللحديث بقية
*سفيرة الإعلام العربي
*عضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب
*مسؤولة الإعلام بجمعية كيان للأيتام

اترك تعليقاً

You missed

وطن المجد السعودي: قيادة ترعى، ومواطن يخلص، وتنمية تبني المستقبل بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان تتجلى أعظم صور التلاحم بين القيادة والشعب في تلك القرارات الحكيمة والتوجيهات الملكية الكريمة التي تلامس نبض المواطن، وتراعي مسؤوليته المعيشية، وتؤكد يوماً بعد يوم أن “الإنسان السعودي” هو الغاية الأولى والوسيلة الأهم في مسيرة بناء الوطن. ويأتي الدعم الملكي السخي — بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله — ليجسد الرؤية الثاقبة والحرص المستمر من القيادة الرشيدة على تخفيف الأعباء المعيشية، وترسيخ مقومات الحياة الكريمة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والنفسي في ربوع المملكة العربية السعودية. إن القيمة الحقيقية لهذه الإجراءات المباركة لا تقف عند حدود أرقامها المالية فحسب، بل تمتد إلى أهدافها الإنسانية النبيلة في مساندة المواطنين بمختلف شرائحهم لمواجهة متطلبات الحياة وتغيراتها؛ فخلف كل موظف أسرة تطمح للاستقرار، وخلف كل متقاعد سنوات حافلة بالبناء والعطاء تستحق الوفاء، وفي كل أسرة مستفيدة من الضمان الاجتماعي آمال عريضة برعاية الدولة واهتمامها. وحين يحظى الفرد بالدعم الذي يعينه على مسؤولياته، فإن الأثر يتسع ليعزز استقرار الأسرة والمجتمع بأكمله، مانحاً إياها مساحة أوسع للتخطيط للمستقبل بثقة واطمئنان، حيث تتجسد القيمة الإنسانية للتنمية الشاملة التي تصنع فارقاً حقيقياً وملموساً في جودة حياة الناس. وفي سياق متصل، يحمل قرار رفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعودي كاملاً في نسب التوطين ضمن برنامج «نطاقات» دلالة جوهرية في مسار تطوير سوق العمل الوطني؛ فهو يستهدف تعزيز مستويات الأجور، ودعم استدامة توظيف الكوادر الوطنية في القطاع الخاص وفق مراحل التطبيق المعلنة. وما يميز هذا الإجراء هو تركيزه على جودة الوظائف واستدامة استقرارها، مما يعزز من تنافسية المواطن ويدعم مشاركته الفاعلة في الاقتصاد المحلي. تتواصل هذه الخطوات المباركة في ظل المسيرة التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030»، التي جعلت من تنمية قدرات الإنسان وتحسين جودة حياته مرتكزاً أساسياً للمستقبل. إن التنمية المتوازنة التي تتبناها حكومة خادم الحرمين الشريفين تجمع ببراعة بين كفاءة الاقتصاد، واستدامة الخدمات، وتوفير الفرص الواعدة، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، بما يحقق التكامل التام بين خطط التطوير واحتياجات المواطن. إن الموظف السعودي — بمعلمه وطبيبه ومهندسه وجنديه الباسل وإداريه وعامله — شريك أصيل لا غنى عنه في بناء هذا الصرح الشامخ. وعلى اختلاف المهن وتعدد المسؤوليات، يلتقي أبناء الوطن وبناته على غاية واحدة سامية: خدمة الدين والمليك والوطن، والحفاظ على مكتسباته، والذود عن أمنه واستقراره. ومن هذا المنطلق، فإن وفاء القيادة الرشيدة رعاها الله تعالى للمواطن ودعمها المستمر لسبل عيشه الكريم، ينبغي أن يقابلهما من جانبنا إخلاص مضاعف في العمل، وأمانة مطلقة في أداء المسؤوليات، ووعي وطني بأهمية ترشيد الاستهلاك والمحافظة على الموارد؛ فهذه المسؤولية المشتركة تضاعف الأثر الإنساني والتنموي للدعم، وتحول الإمكانات المتاحة إلى منجزات نافعة للفرد والمجتمع. وبهذه المناسبة، نرفع أسمى آيات الشكر والامتنان لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله تعالى، سائلين المولى عز وجل أن يجزيهما خير الجزاء على ما يقدمانه لرفعة الوطن وعزة المواطن، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار. إن القرارات الوطنية العظيمة تظل خالصة الأثر حين تتكامل فيها الرعاية مع المسؤولية، والدعم مع العمل، ليبقى وطن المجد السعودي نموذجاً فريداً: قيادة ترعى، ومواطن يخلص، وأسرة تستقر، وتنمية تبني مستقبلاً يليق بطموحات وطن لا يعرف المستحيل.