بقلم :لمياء المرشد
كانت هانوي هي المحطة الأولى في رحلتي إلى فيتنام، ومنها بدأت تفاصيل مختلفة تمامًا عن كل ما اعتدته في رحلاتي السابقة. مدينة مزدحمة بالحركة، مليئة بالألوان والروائح والأصوات، لكنها في الوقت نفسه تحمل روحًا خاصة تجعلك تتوقف أمام تفاصيلها الصغيرة قبل معالمها الكبيرة.
بدأت جولتنا من شارع القطار في هانوي، أحد أكثر الأماكن شهرة وإثارة للفضول. مقاهٍ صغيرة تتراص على جانبي السكة الحديدية، وطاولات قريبة جدًا من مسار القطار، حتى تشعر أن المكان كله يعيش على إيقاع مروره. الجلوس هناك تجربة بحد ذاتها؛ تنتظر القطار، تراقب استعداد الجميع، ثم يمر في لحظات سريعة وقريبة جدًا لتتحول البساطة إلى مشهد لا يُنسى.
بعدها انتقلنا إلى قرية البخور، وكانت من أجمل المحطات البصرية في الرحلة. ألوان أعواد البخور وهي مصطفة بشكل دائري ومنظم تصنع لوحة مبهرة، وكأن المكان مجهز للتصوير، رغم أن ما نراه هو في الأصل جزء من حرفة تقليدية متوارثة. هناك لم تكن التجربة مجرد صور جميلة، بل نافذة على جانب من الثقافة الفيتنامية والحرف التي لا تزال حاضرة في حياة الناس.
ومن أجواء القرية الشعبية انتقلنا إلى وجهة مختلفة تمامًا، وهي جراند وورلد هونغ ين. المكان واسع ومصمم بطابع أوروبي جميل، تتداخل فيه الواجهات الملونة والساحات والممرات والمقاهي، فيمنح الزائر إحساسًا بأنه انتقل إلى مدينة أخرى داخل فيتنام. كان الانتقال بين هذه الوجهات في يوم واحد جميلًا؛ من شارع شعبي قديم، إلى قرية تحمل تراثًا محليًا، ثم إلى وجهة حديثة بطابع سياحي وترفيهي مختلف.
وفي اليوم التالي غادرنا هانوي باتجاه واحدة من أجمل محطات الرحلة، خليج هالونغ، حيث كانت تجربتنا مع الكروز.
منذ الوصول إلى الميناء شعرت أن الرحلة دخلت فصلًا جديدًا. هدأت حركة المدينة، وحل مكانها البحر والجبال والتكوينات الصخرية التي تشتهر بها المنطقة. صعدنا إلى الكروز وبدأنا الإبحار وسط مشهد طبيعي أخّاذ؛ مياه هادئة، وجزر صخرية تظهر من كل اتجاه، وكأن الطبيعة قررت أن ترسم المكان بطريقتها الخاصة.
كانت تجربة الكروز مختلفة عن كل ما سبقها؛ وقت أبطأ، هواء بحري، وتأمل طويل في جمال الخليج. وهنا أدركت أن فيتنام لا تمنح زائرها تجربة واحدة، بل تنقله في أيام قليلة بين صخب المدن، وبساطة القرى، وحداثة الوجهات السياحية، ثم هدوء البحر وجمال الطبيعة.
كانت هانوي بداية موفقة لهذه الرحلة، لكنها لم تكن مجرد نقطة وصول، بل كانت مدخلًا حقيقيًا لاكتشاف فيتنام بعين السائحة، وبعين المرشدة السياحية والإعلامية التي تبحث دائمًا عن الحكاية خلف المكان.


