بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
تحلّ ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله تعالى- لتبث في وجدان أبناء المملكة العربية السعودية أسمى مشاعر الوفاء والاعتزاز والانتماء، وتستعيد صفحاتٍ مشرقة من مسيرة وطنٍ عظيم، يقوده رجل دولةٍ عُرف بالحكمة والحزم وبعد النظر، وجعل خدمة الوطن والمواطن، ورعاية مصالح المملكة، وتعزيز مكانتها، مسؤوليةً راسخةً في مسيرته الوطنية.
اثنا عشر عامًا من القيادة الحكيمة تمثل مرحلةً مفصلية في تاريخ المملكة؛ شهدت خلالها تحولاتٍ متسارعة وإنجازاتٍ متتابعة، وأثبتت فيها القيادة الرشيدة أن الدول العظيمة لا تقف عند حدود ما حققته، بل تستشرف المستقبل بثقة، وتبني حاضرها على أسسٍ راسخة، وتفتح للأجيال القادمة أبوابًا أوسع للطموح والعمل والابتكار بفضل الله تعالى وتوفيقه.
لقد كان الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله تعالى- على امتداد عقودٍ طويلة، حاضرًا في مسيرة بناء الدولة وتطوير مؤسساتها، حتى غدا نموذجًا فريدًا لرجال الدولة الذين جمعوا بين عمق التجربة، وقوة الإرادة، وحكمة القرار، مع الحرص التام على ثوابت المملكة ومكانتها، والإيمان بأن الوطن يستحق من أبنائه وقادته كل تضحيةٍ وعطاء.
وفي عهده الميمون، واصلت المملكة مسيرتها التنموية بثقةٍ واقتدار، وانتقلت إلى مرحلةٍ جديدة من العمل الوطني الطموح استنادًا إلى «رؤية المملكة 2030»، التي أصبحت مشروعًا وطنيًا شاملًا أعاد رسم ملامح المستقبل، وفتح مجالاتٍ واسعة للاستثمار والابتكار، ومكّن أبناء الوطن وبناته، ورفع جودة الحياة، ودعم الاقتصاد، وعزز حضور المملكة ومكانتها على مختلف الأصعدة.
وفي هذه المسيرة المباركة، يبرز الدور القيادي الملهم لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله تعالى-؛ الذي حمل طموحًا وطنيًا لا يعرف الحدود، وأسهم في ترجمة مستهدفات الرؤية إلى برامج ومبادرات ومشروعاتٍ نوعية، جعلت المملكة تعيش مرحلةً استثنائية من التحول والتطوير.
ولعل أجمل ما يميز هذه المرحلة أن الطموح لم يعد مجرد شعار، بل أضحى ثقافةً وطنية؛ فالشاب السعودي يرى أمامه آفاقًا أوسع، والمرأة السعودية تشارك بفاعلية في مختلف الميادين، والقطاع الخاص يؤدي دورًا محوريًا، والمجتمع يشارك بوعي في التنمية، والمؤسسات تتطور بخطى ثابتة، والمشروعات الكبرى ترسم ملامح مستقبل جديد.
إن ذكرى البيعة ليست مجرد مناسبة للاحتفاء بالكلمات، بل هي فرصة للتأمل في جوهر الوفاء الحقيقي؛ فالوفاء للوطن قيادةً وأرضًا لا يكتمل بالقول وحده، بل يترجم إلى عملٍ متقن، ومسؤوليةٍ واعية، ومحافظةٍ على المكتسبات، واحترامٍ للأنظمة، وخدمةٍ للمجتمع، وتربيةٍ للأجيال على قيم حب الوطن والاعتزاز به.
والبيعة في وجدان أبناء المملكة عهدٌ وثيق، ومشاعر صادقة، وتلاحمٌ فريد بين القيادة والشعب؛ وهي قيمةٌ وطنية كبرى أثبتت من خلالها المملكة أن وحدتها الداخلية وتماسك مجتمعها ووقوف أبنائها صفًا واحدًا خلف قيادتهم الرشيدة هي -بعد فضل الله تعالى- أعظم مصادر قوتها واستقرارها.
واستنادًا إلى أن الوطن يُبنى بالمشروعات والإنجازات، فإنه يُحمى أيضًا بالوعي والمسؤولية، وتبنيه الأيدي المخلصة التي تؤمن بأن كل مواطن شريكٌ في صناعة الغد. ومن هنا، فإن أعظم احتفاءٍ بهذه الذكرى أن نجعل من حب الوطن عملًا نافعًا، ومن الانتماء سلوكًا، ومن الوفاء عطاءً، ومن المسؤولية رسالة مستمرة.
والمملكة العربية السعودية ليست وطنًا عاديًا؛ فهي مهبط الوحي، وبلاد الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ومحط أفئدة الملايين عبر العالم. ولهذا فإن خدمة هذا الوطن شرفٌ عظيم، والمحافظة على أمنه واستقراره ومكتسباته مسؤولية تتجاوز الأفراد لتصبح رسالة أمانة يحملها كل مواطن ومواطنة.
وفي هذه الذكرى المباركة، نستحضر الحضور العالمي المتنامي للمملكة، وما أصبحت تتمتع به من تأثيرٍ سياسي واقتصادي وثقافي ورياضي وسياحي وتقني، وما تشهده من مشروعات كبرى تؤكد أن المملكة لا تنتظر المستقبل، بل تصنعه بعزم أبنائها وإرادة قيادتها وتوفيق الله تعالى.
إن أعظم ما نقدمه لوطننا في هذه المناسبة أن نكون جزءًا فاعلًا من إنجازاته؛ فالمرء بوفائه، والموظف بإتقانه، والمعلم برسالته، والطبيب بإنسانيته، والمهندس بإبداعه، ورجل الأعمال باستثماره، والمتطوع بعطائه، والشاب بطموحه، والأسرة بتربيتها.. جميعهم شركاء في صناعة وطنٍ أكثر قوةً وازدهارًا.
ومن هنا تجسد البيعة قيمتها الحقيقية؛ فهي ليست مناسبة سنوية نستذكرها فحسب، بل محطة نجدد فيها عهدنا ومسؤوليتنا، ونؤكد من خلالها أن مسيرة البناء مستمرة، وأن الأجيال القادمة تستحق وطنًا أكثر تقدمًا وأمنًا وازدهارًا.
يا خادم الحرمين الشريفين، في ذكرى البيعة الثانية عشرة، نقف بكل فخرٍ واعتزاز، ونرفع أسمى عبارات الوفاء والتقدير لكم، مستحضرين ما قدمتموه للمملكة من عطاء، وما حملتموه من مسؤولية، وما أوليتموه من عناية بالوطن والمواطنين، سائلين الله تعالى أن يجزيكم خير الجزاء، وأن يمدكم بالصحة والعافية.
ونجدد العهد والولاء، مؤكدين أن محبة هذا الوطن وقيادته ليست كلماتٍ عابرة، بل مشاعر راسخة في القلوب، تتجدد مع كل إنجاز، وتكبر مع كل خطوة نحو المستقبل.
ونقولها بكل اعتزاز: إن المملكة العربية السعودية، بقيادتها الرشيدة، وشعبها الوفي، وإرثها العظيم، وطموحها المتجدد، تمضي نحو المستقبل بثقةٍ لا تتزعزع، مستندةً إلى تاريخٍ عريق، وحاضرٍ مزدهر، ومستقبلٍ تصنعه رؤيةٌ طموحة وإرادةٌ صلبة بفضل الله تعالى.
اثنا عشر عامًا مضت، والوفاء باقٍ، والعهد راسخ، والطموح يتجدد، والمستقبل -بإذن الله تعالى- أبهى وأجمل.
حفظ الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأطال في عمره على طاعته، ووفقه الله تعالى لكل ما فيه خير الدين والوطن.
وحفظ الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وسدد خطاه، وأعانه الله تعالى على مواصلة مسيرة البناء وتحقيق تطلعات الوطن والشعب.
حفظ الله تعالى المملكة العربية السعودية، وأدام الله تعالى عليها أمنها وأمانها واستقرارها وعزها، وجعل رايتها خفاقةً بالعز والمجد، وأدام الله تعالى مكانتها العالية بين الأمم.
دامت قيادتنا الرشيدة بحفظ الله تعالى، ودام وطننا عزيزًا شامخًا، ودام شعب المملكة وفيًا لوطنه وقيادته.