د. رشيد بن عبدالعزيز الحمد
خمسة عشر عامًا قضيتها في العمل في إحدى الشركات التعليمية، كانت بالنسبة لي أكثر من مجرد سنوات وظيفية؛ كانت مرحلة من العمر بذلت فيها جهدي وخبرتي، وحملت خلالها مسؤولية قيادة مدارس والعمل مع المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، وكانت بحمد الله سنوات مليئة بالنجاحات والإنجازات التي أعتز بها، وتشهد بها نتائج العمل وشهادات كثير من أولياء الأمور والزملاء والعاملين في الميدان.
وعندما ينتهي الإنسان من رحلة طويلة في أي مؤسسة، فإنه لا ينتظر بالضرورة احتفالًا أو تكريمًا، لكنه يتطلع على الأقل إلى أن تنتهي الرحلة بما يليق بما قدمه خلالها.
فالوفاء لا يُقاس فقط بما تقدمه المؤسسة لموظفها أثناء عمله، وإنما يظهر بصورة أكبر عندما تنتهي العلاقة المهنية، ويصبح كل طرف في موقف يستطيع فيه أن يُنصف الآخر أو أن يستغل حاجته.
وقد مررت شخصيًا بتجربة جعلتني أتوقف طويلًا أمام هذا المعنى.
بعد انتهاء عملي، تقدمت للمطالبة بمستحقاتي المالية، وكان من بينها مستحقات متعلقة ببدل السكن، لا يزال منها مبلغ يتجاوز 280 ألف ريال بحسب ما أراه مستحقًا لي.
وفي تلك الفترة كنت أمر بظرف مالي يتطلب مني توفير السيولة لالتزامات مرتبطة بمنزل اشتريته في شمال الرياض، وكنت بحاجة إلى مستحقاتي التي عملت سنوات طويلة من أجلها.
كنت أتوقع أن تكون نهاية العلاقة المهنية امتدادًا لسنوات العمل، وأن يكون التعامل معي بما يليق بتاريخي في الشركة، لكن ما حدث كان مختلفًا؛ إذ وجدت نفسي أمام تسوية لم أكن أراها منصفة، وشعرت تحت ضغط الحاجة والظرف الذي كنت أمر به أن مساحة الاختيار أمامي لم تكن كما ينبغي.
وقد وقعت التسوية في نهاية الأمر.
لكن توقيع الموظف على تسوية لا يعني بالضرورة أن قلبه كان مقتنعًا بكل ما ورد فيها، فقد يوقّع الإنسان أحيانًا وهو تحت ضغط الحاجة، أو رغبة في إنهاء الموضوع، أو ثقة في أن الطرف الآخر سيراعي سنوات العطاء التي جمعتهما.
وهنا لا أتحدث عن نفسي فقط، بل عن مبدأ أوسع بكثير:
هل من الوفاء أن تُستغل حاجة الإنسان عندما يكون في أضعف مواقفه؟
الشركات التعليمية الكبرى لا تقاس بعدد مدارسها ولا بعدد فروعها ولا بحجم انتشارها فقط، وإنما تقاس أيضًا بثقافتها المؤسسية، وبكيفية تعاملها مع الإنسان الذي أمضى سنوات من عمره في خدمتها.
وقد يكون أعظم اختبار للأخلاق المؤسسية هو ذلك اليوم الذي يقف فيه موظف سابق أمام إدارة شركته مطالبًا بحقوقه.
في تلك اللحظة لا ينبغي أن تكون القوة في يد المؤسسة سببًا للضغط، ولا ينبغي أن تكون حاجة الموظف مدخلًا للتنازل عن حق يراه مستحقًا له.
وأنا هنا لا أكتب بحثًا قانونيًا، ولا أريد أن أحول تجربتي إلى خصومة إعلامية، وإنما أكتب من باب النصيحة والعتب، وأتمنى أن تصل رسالتي إلى من يعنيه الأمر.
لقد أمضيت خمسة عشر عامًا من أجمل سنوات عمري في التعليم، وأديت ما أستطيع، وخرجت من الشركة وأنا أحمل تقديرًا كبيرًا للتجربة وللكثير من الزملاء الذين عملت معهم.
لكنني أقولها بكل هدوء:
نهاية الخدمة يجب أن تكون لحظة وفاء، لا لحظة استغلال للحاجة.
وإذا كان هناك حق مختلف عليه، فهناك أنظمة وقضاء وجهات مختصة يمكن أن تفصل في الحقوق، أما الضغط على صاحب الحق، خصوصًا عندما يكون في حاجة إلى ماله، فلا أعتقد أنه يليق بمؤسسة تعليمية يفترض أن رسالتها الأولى هي بناء الإنسان.
ولعل من المهم أن نتذكر جميعًا أن المال يذهب، والمناصب تنتهي، والشركات تتوسع وتتغير، لكن المواقف تبقى في ذاكرة الإنسان.
والإنسان الذي يجمع المال ويبني المؤسسات ويكبر في عمله، أحوج ما يكون في هذه المرحلة من عمره إلى أن يجمع معها رصيدًا آخر لا يقل أهمية: رضا الناس، ونقاء الذمة، وراحة الضمير.
لذلك أقول لمن كان له دور في هذه المسألة: لا أطلب إلا الإنصاف.
وإن كان لي حق، فليُعطَ لي، وإن كان عليّ حق، فليؤخذ مني، وإن كان هناك خلاف في الاستحقاق، فليُحسم بالطرق النظامية العادلة.
أما أن تكون حاجة الإنسان سببًا في انتقاص ما يراه حقًا له، فهذه مسألة تستحق أن يتوقف عندها كل صاحب قرار.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في ختام مسيرته أن يترك وراءه دعوات طيبة ممن عملوا معه، لا حسرة في قلب موظف سابق كان يومًا شريكًا في نجاح المؤسسة.
فالمنشآت تكبر بالأرقام، لكنها تكبر أكثر بالوفاء… والحقوق إذا خرجت من الذمم، دخلت معها الطمأنينة إلى القلوب.
والله من وراء القصد.