بقلم:عبدالعزيز عطيه العنزي

تشهد الأسواق المحلية حراكاً رقابياً واسعاً ومستمراً من قِبل وزارة التجارة والجهات المعنية، تتصدى بحزم لكل من يحاول العبث بقوت المواطن والمقيم، وتُسفر هذه الحملات بشكل متواصل عن ضبط مستودعات تفتقر لأدنى معايير الاشتراطات الصحية، وأخرى تُخزن مواد غذائية واستهلاكية منتهية الصلاحية أو مقلدة ومخشوشة. ورغم النجاحات الكبيرة التي تحققها تلك الجهود الاستباقية في حماية الأسواق، إلا أن هناك حلقة مفقودة ورافداً خفياً لتوزيع تلك البضائع يستدعي وقفة جادة وحملات ميدانية صارمة لا تقل أهمية عما تقم به الجهات الرقابية في المستودعات المغلقة؛ وهي ظاهرة سيارات المناديب.
سيارات مجهولة الهوية… وبضائع بلا رقابة
إذا تجولت في شوارع الأحياء السكنية أو تابعت حركة التوزيع اليومية، فستلفت انتباهك حقيقة مقلقة تتمثل في انتشار مئات سيارات التوزيع العشوائية التي لا تحمل أي شعارات رسمية أو هوية تجارية واضحة للمحلات أو الشركات التي تتبع لها. بل إن العديد منها وصل إلى حالة مزرية من التهالك الفني والهيكلي، لتتحول إلى ما يشبه “المستودعات المتنقلة” التي تفتقر تماماً لأبسط معايير النقل الآمن، كالتبريد المخصص للمواد الغذائية أو الحماية من حرارة الطقس المرتفعة.
هذه المركبات، التي يقودها في كثير من الأحيان عمالة غير منضبطة أو تتبع لكيانات تجارية وهمية، تُشكل جسراً خفياً لتسويق البضائع المخترقة والمغشوشة التي يتم ضبطها لاحقاً في المستودعات المخالفة. فهي وسيلة النقل المرنة التي تتخفى عن أعين الرقابة التقليدية، وتصل بالسلع المجهولة إلى أرفف البقالات النائية والمستهلك النهائي دون أي تدقيق أو فحص.
لماذا تتأخر الحملات الخاصة بالمناديب؟
تتجسد المفارقة هنا في تركيز الجهود الرقابية على نقطة النهاية (المستودعات والمتاجر) وغض الطرف جزئياً عن حلقة الوصل الخطيرة المتمثلة في “وسائل النقل والمناديب”. فالمستهلك البسيط يثق بالسلعة التي تصل إلى يده، مفترضاً أن رحلتها كانت آمنة وخاضعة للأنظمة، غير مدرك أن تلك السلعة قضت ساعات طويلة في صندوق سيارة متهالكة، تفتقر لمعايير النظافة والسلامة، ومحملة بمنتجات ربما تكون مجهولة المصدر أو تعرضت للتلف نتيجة سوء النقل والتخزين المؤقت.
إن ترك سيارات المناديب تعمل بلا ضوابط صارمة يُعد ثغرة أمنية واستهلاكية واضحة؛ فتلك المركبات تحتاج إلى ترخيص واضح، وهوية معتمدة، وفحص دوري يضمن التزامها باشتراطات النقل الصحي والبيئي والفني، تماماً كما هو مُطبق على المنشآت التجارية الثابتة.
مقترحات لحل الأزمة وتأمين الأسواق
لحماية المستهلك وقطع الطريق أمام شبكات الغش التجاري، بات من الضروري إطلاق حملات ميدانية مكثفة ومفاجئة تخص سيارات المناديب وقطاع التوزيع المتنقل، ترتكز على المحاور التالية:
* إلزامية الهوية التجارية: فرض غرامات صارمة ومنع أي سيارة من مزاولة نشاط التوزيع ما لم تحمل شعاراً رسمياً وواضحاً للمنشأة المرخصة التي تتبع لها، مدعومة برقم ترخيص تجاري قابل للتحقق.
* اشتراطات النقل الآمن: تشديد الرقابة على الحالة الفنية للمركبات، ومنع السيارات المتهالكة أو غير المجهزة (خصوصاً تلك التي تنقل مواد غذائية واستهلاكية) من العمل في قطاع التوزيع.
* الرقابة الميدانية المشتركة: تفعيل دور الدوريات الرقابية والمرورية لضبط سيارات التوزيع العشوائية في الأحياء، والتحقق من فواتير المصدر ونظامية السائقين والبضائع المنقولة.
* العقوبات الرادعة: تشديد العقوبات بحق المخالفين الذين يستخدمون سيارات غير مرخصة لتسويق بضائع مجهولة أو مخشوشة، لضمان عدم تكرار المخالفة وحماية النزاهة التجاريّة للأسواق.
ختاماً
إن مكافحة الغش التجاري وحماية الأمن الغذائي والصحي لا يمكن أن تُحقق ثمارها الكاملة إن اقتصرت على مداهمة المستودعات وتركت الشوارع مباحة أمام سيارات مناديب مجهولة ومهالكة. إن إطلاق حملات نوعية تستهدف “حلقة التوزيع المتنقلة” هو خطوة استراتيجية حتمية لسد الثغرات، وردع المتلاعبين، وصيانة صحة وسلامة المجتمع بكافة أفراده.

اترك تعليقاً