الكاتبة : صباح حسن

كثيرًا ما نحكم على الآخرين من خلال ما نراه من تصرفاتهم بعد تغيّر الظروف، فنصفهم بالخيانة، أو التقلب، أو الجفاء. لكن هل تغيّر الإنسان فعلًا؟ أم أن ما تغيّر هو الأشخاص والظروف المحيطة به؟

أميل إلى الاعتقاد بأن الإنسان يحمل في داخله طبيعة ثابتة، تتجلى بطرق مختلفة بحسب ما تتيحه له الحياة. فمن اعتاد أن يجد قيمته في العطاء سيبقى معطاءً، حتى وإن تغيّر من يتلقى هذا العطاء. فالعطاء بالنسبة إليه ليس مجرد استجابة لشخص معين، بل هو جزء من هويته، وطريقة يرى بها نفسه ويشعر من خلالها بالرضا.

لنتأمل صديقين اعتادا أن يلتقيا كل شهر. ثم تغيّرت حياة أحدهما؛ تزوج، أو انتقل إلى مدينة أخرى، أو أصبحت مسؤولياته تمنعه من اللقاء. الصديق الآخر، الذي اعتاد على التواصل والخروج والأنس بالصحبة، لن يتوقف عن ممارسة هذه الطبيعة. سيكوّن صداقات جديدة، ويخرج مع آخرين، ليس لأنه نسي صديقه الأول أو خانه، بل لأن حاجته إلى التواصل ما زالت كما هي، بينما تغيّرت الظروف فقط.

وينطبق الأمر ذاته على الزوج الذي اعتاد أن يُعبّر عن حبه بالإنفاق والاهتمام. فإذا فقد هذا العطاء أثره في الطرف الآخر، أو لم يعد يجد التقدير الذي كان ينتظره، فقد يوجّه طاقته إلى مجالات أخرى؛ يسافر، أو يمارس هواية، أو يشتري ما يحقق له المتعة. ليس بالضرورة لأنه تغيّر، وإنما لأنه ما زال يبحث عن الشعور نفسه الذي كان يجده في العطاء، ولكن عبر منفذ مختلف.

ولهذا، ينبغي أن نفرّق بين تغيّر الوجهة وتغيّر الطبيعة. فالوجهة قد تتبدل بتبدل الأشخاص والظروف، أما الطبيعة الإنسانية فغالبًا ما تبقى ثابتة. الشخص الكريم يبقى كريمًا، لكن قد يتغير من يُكرمه. والمحِب يبقى محبًا، لكن قد تتغير الطريقة التي يُظهر بها حبه عندما تتغير معطيات الحياة.

وهنا تكمن أهمية ألا نتسرع في إصدار الأحكام. فليس كل انتقال إلى علاقة أو اهتمام جديد خيانة، وليس كل تغير في السلوك دليلًا على تبدل المشاعر. أحيانًا يكون الإنسان وفيًا لطبيعته أكثر من وفائه لظرفٍ لم يعد قائمًا.

إن فهم هذه الحقيقة يمنحنا قدرًا أكبر من الحكمة في قراءة تصرفات الآخرين. فبدل أن نسأل: “لماذا تغيّر؟”، ربما يكون السؤال الأدق: “هل تغيّر هو، أم تغيّرت الظروف التي كان يمارس فيها طبيعته؟”

إن الإنسان الذي يجد سعادته في العطاء سيظل يعطي، والذي يجد راحته في المشاركة سيظل يبحث عمن يشاركه، والذي اعتاد أن يزرع الجمال في حياة من حوله لن يتوقف عن الزراعة إذا تبدّل الحقل. فبعض الطبائع لا تنطفئ، وإنما تبحث دائمًا عن موضع جديد لتتجلى فيه.

اترك تعليقاً