بقلم: أحمد علي بكري

في كل مجتمع بشري حكاياته الخاصة التي تتجاوز حدود الواقع لتستقر في منطقة غامضة بين الخوف والخيال الشعبي، قصص تنتقل من جيل إلى جيل حتى تصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية للناس. وفي منطقة جازان وجنوب الجزيرة العربية عاشت لعقود طويلة واحدة من أكثر الأساطير الشعبية رعبًا وإثارة، إنها أسطورة “النبّاش”، ذلك الكائن المرعب الذي كان حضوره كافيًا لإسكات الأطفال وإجبارهم على الاحتماء بأحضان أمهاتهم وجداتهم في ليالي الشتاء الطويلة.

قبل ظهور الهواتف الذكية وشاشات الترفيه الحديثة، كانت المجالس الشعبية تمثل المسرح الحقيقي للحكايات والأساطير. كان الأطفال يلتفون حول الجدات بعد صلاة العشاء، بينما تتراقص ألسنة اللهب في موقد الحطب أو يتراقص ضوء الفانوس على الجدران الطينية، وهناك تبدأ الحكاية. كانت الأصوات تنخفض شيئًا فشيئًا، وتتحول الوجوه إلى ملامح جادة بينما تبدأ الجدة بسرد قصة النبّاش، ذلك المخلوق الذي لا يخاف الموت بل يقتات عليه.

تقول الرواية الشعبية إن النبّاش لم يكن مجرد رجل ينبش القبور كما يوحي اسمه، بل كان كائنًا مخيفًا يعيش على أكل الموتى. وكان ظهوره يسبقه حدث مرعب يثير الفزع في النفوس. ففي الليالي المظلمة يسمع الشخص صوتًا يناديه باسمه. الغريب أن الصوت يكون مألوفًا للغاية، فقد يشبه صوت قريب أو صديق أو أحد أفراد العائلة. وإذا استجاب المنادى لذلك الصوت ورد عليه، فإن النبّاش يجيبه بعبارته الشهيرة: “حليتي بك”، أي أن جسدك أصبح حلوًا وشهيًا بالنسبة له، وأنك أصبحت ضمن ضحاياه المستقبليين.

هذه العبارة وحدها كانت كافية لإثارة الرعب في قلوب الناس، حتى إن كثيرًا من الأطفال كانوا يرفضون الرد على أي نداء يسمعونه ليلًا خشية أن يكون النبّاش هو من يناديهم. ولم يكن الخوف يتوقف عند هذا الحد، إذ كانت الروايات الشعبية تؤكد أن النبّاش يراقب ضحاياه حتى بعد وفاتهم. وما إن يغادر المشيعون المقبرة حتى يعود في جنح الظلام لينبش القبر ويخرج الجثة ليأكلها هو وأبناؤه.

ومن هنا نشأت عادة شعبية تناقلها كبار السن في بعض المناطق، وهي حراسة القبور بعد الدفن لعدة ليالٍ متتالية. كان الناس يروون أن أهل الميت يظلون بالقرب من القبر ثلاث ليالٍ أو أكثر حتى تبدأ الجثة بالتحلل، وعندها يفقد النبّاش رغبته فيها. وبغض النظر عن صحة هذه الروايات أو عدمها، فإنها تعكس مقدار الخوف الذي كانت تثيره هذه الأسطورة في نفوس الناس.

لكن أشهر قصص النبّاش وأكثرها تداولًا بين أهل جازان هي قصة الفتاة الجميلة “حسنة”. كانت حسنة مضرب المثل في الجمال، حتى إن النبّاش وقع في حبها وفق الرواية الشعبية. وفي إحدى الليالي تمكن من اختطافها وأخذها إلى مخبئه البعيد حيث يعيش مع زوجته المعروفة باسم “النبّاشة” وأبنائه الأربعة. وهناك نشأت حسنة بين تلك الأسرة الغريبة، ثم أنجبت من النبّاش طفلًا أصبح يحمل صفات أبيه.

في المقابل كان أخوها حسن يبحث عنها بلا كلل. جاب القرى والوديان والجبال سنوات طويلة حتى تمكن أخيرًا من العثور على مكانها. وحين رأته حسنة أدركت أن الخطر يحيط به من كل جانب، فقررت إخفاءه داخل “الجَعْرَة”، وهي وعاء كبير يصنع من سعف النخيل ويستخدم لحفظ الحبوب والمؤن.

عاد النبّاش وأبناؤه إلى المنزل وشعروا بوجود غريب بينهم. وبعد تفتيش طويل اكتشفوا حسن. حاولت حسنة أن تستعطف النبّاش وأن تنقذ أخاها، فتعهد لها بعدم أذيته. لكن الوعود في عالم الأساطير لا تدوم طويلًا. فما إن سنحت الفرصة حتى قتل النبّاش حسن وأكله مع أبنائه، ثم كذب على حسنة مدعيًا أن أخاها عاد سالمًا إلى أهله.

مرت الأيام حتى جاء ابنها الصغير يحمل إليها هدية غريبة. وعندما فتحتها اكتشفت أنها خنصر أخيها حسن. عندها أدركت الحقيقة كاملة، وعرفت المصير الذي لقيه شقيقها. تحولت الصدمة إلى نار من الغضب والرغبة في الانتقام، وبدأت تخطط لنهايتها الدموية مع النبّاش وأسرته.

وفي إحدى الليالي أخبرتهم أنها تعرف طريقة خاصة لوضع الحناء تجعل لونها أكثر جمالًا وثباتًا. أقنعت النبّاش وزوجته وأبناءه بالدخول إلى جعار الحبوب الكبيرة وربطتهم واحدًا تلو الآخر بحجة أن الطقس جزء من الوصفة السرية. وما إن أحكمت إغلاقها عليهم حتى سكبت الكيروسين فوقها وأشعلت النار. اشتعلت الجعار وتحولت إلى أفران هائلة قضت على النبّاش وزوجته وأبنائه.

لكن المأساة لم تنته عند هذا الحد. فقد بقي ابنها الصغير الذي أنجبته من النبّاش. كانت تتردد في قتله لأنه قطعة من قلبها، إلا أن الرواية الشعبية تقول إنها اكتشفت أنه يحمل طبيعة أبيه نفسها. وتروي الحكاية أنه حاول عضها والتهامها كما كان يفعل النبّاش، فعرفت أن الشر قد انتقل إليه بالوراثة. وعندها حملته وألقت به في بئر عميقة لينتهي نسل النبّاش إلى الأبد.

ولم تكن قصة حسنة وحدها هي التي ارتبطت بهذه الأسطورة. فقد انتشرت روايات أخرى أقل شهرة تتحدث عن رجال كانوا يحرسون القبور ليلًا ثم يشاهدون ظلالًا تتحرك بين المقابر قبل أن تختفي فجأة. وبعض الحكايات تروي أن النبّاش كان قادرًا على التشكل في هيئة إنسان عادي أو حيوان بري ليقترب من ضحاياه دون أن يثير الشبهات. كما كانت هناك قصص عن مسافرين سمعوا أصواتًا تناديهم بأسمائهم في الصحاري والجبال، فهربوا مذعورين معتقدين أن النبّاش يتعقبهم.

وعند دراسة هذه الأسطورة من منظور ثقافي نجد أنها تشترك مع عشرات الأساطير العالمية التي تتحدث عن آكلي الجثث وسارقي القبور. ففي أوروبا ظهرت أساطير الغيلان التي كانت تنبش القبور وتتغذى على الموتى، وفي بعض الثقافات الآسيوية وجدت حكايات مشابهة عن كائنات تعيش قرب المدافن وتتربص بالجثث. وهذا التشابه يكشف عن خوف إنساني قديم ومشترك من انتهاك حرمة الموتى ومن المجهول الذي يحيط بعالم القبور.

وربما لم يكن الهدف الحقيقي من قصة النبّاش مجرد إخافة الأطفال، بل أداء وظائف اجتماعية وتربوية أعمق. فقد كانت القصص الشعبية وسيلة فعالة لغرس الحذر وعدم التجول ليلًا واحترام المقابر والابتعاد عن الأماكن الخطرة. كما أنها منحت المجتمع وسيلة لتفسير المخاوف الغامضة التي لا يجد لها تفسيرًا واضحًا.

اليوم تراجعت هذه الحكايات أمام هيمنة التكنولوجيا ووسائل الترفيه الحديثة، لكن النبّاش ما زال حيًا في ذاكرة أبناء جيل كامل. ما زالت صورته المرعبة تطل من زوايا الذاكرة كلما ذُكرت جلسات السمر القديمة أو استعاد الناس أصوات الجدات وهن ينسجن الخوف بخيوط الحكايات الشعبية. وبين حقيقة لم تثبت أبدًا وخيال شعبي لا يموت، يبقى النبّاش واحدًا من أشهر رموز الفلكلور الجيزاني، وأسطورة نجحت في تحقيق ما عجزت عنه كثير من القصص الحديثة: أن تجعل المستمع ينظر خلفه في الظلام ولو لمرة واحدة.

اترك تعليقاً