بقلم الإعلامي صالح المحجم

ليس هناك ألم يشبه ذلك الذي يتسلل إلى قلبك حين تأتيك الخيبة من أبنائك، أولئك الذين كانوا يومًا بين يديك كأمانة غالية تخاف عليها من نسمة هواء.
كنت تسهر لمرضهم وتقلق لغيابهم وتفرح لضحكاتهم كأن الدنيا كلها قد أقبلت عليك.
تتذكر بداياتهم… خطواتهم الأولى حين كانوا يتعثرون فتسندهم لا ليس فقط بأيديك بل بقلبك كله.

تتذكر كيف كنت تراهم أنقياء كالماء قلوبهم بيضاء لا تعرف الكذب ولا المكر ولا الخداع. كانوا يأتونك ببراءتهم دون خوف ويختبئون في صدرك من أصغر الأشياء وكأنك لهم العالم بأكمله.
ثم تمضي الأيام…
ويكبرون.
يكبر الجسد لكنك تكتشف أن المسافة بين القلوب قد كبرت أيضًا.
يصبح الحديث أقل والدفء أخف والنظرة مختلفة.
وقد يأتي ذلك اليوم الذي تدعو لهم أو عليهم فلا يهتز فيهم شيء كأن صوتك الذي كان يومًا أمانهم لم يعد يعني لهم الكثير.
وهنا يبدأ الوجع الحقيقي…
تعود بذاكرتك إلى تلك السنوات البعيدة إلى ضحكاتهم إلى براءتهم إلى تلك القلوب التي لم تكن تعرف القسوة.
تقف مع نفسك وقفة صادقة وتسألها بمرارة
ماذا حدث؟
أين تغيّر الطريق؟
وبماذا قصّرت؟
هل أخطأت في التربية؟
أم كنت قاسيًا حين كان ينبغي أن أكون ألين؟
أم كنت لينًا حين كان يجب أن أكون أكثر حزمًا؟
تفتش في تفاصيل الماضي وتراجع مواقفك كلمة كلمة وموقفًا موقفًا وكأنك تحاكم نفسك أمام ضمير لا يرحم.
ثم يأتي السؤال الأثقل…
إن كان هناك ذنب فعلًا…
فهل يكون ثمنه أن يُهان الأب؟
أن تُكسر صورته في أعين أبنائه؟
أن يُعامل كأنه لم يكن يومًا سندًا ولا ظلًا ولا أمانًا؟
أي قسوة هذه التي تمحو تاريخًا من العطاء…
وأي جفاء هذا الذي يتجاهل قلبًا أفنى عمره ليمنحهم حياة أفضل؟
ورغم كل ذلك…
يبقى في القلب شيء لا ينطفئ. شيء يشبه الدعاء وإن جاء بصمت
يشبه الحب وإن اختنق بالألم
فالأب لا يتوقف عن كونه أبًا حتى وإن خذله أبناؤه
ولا يستطيع أن ينزع قلبه منهم مهما بلغت الخيبة.
لكن النضج هنا أن تدرك أن الحب لا يعني أن تقبل الإهانة
وأن العطاء لا يعني أن تلغي نفسك
وأن مكانتك لا يمنحها لك أحد بل تعرفها حين ترى كيف يُعاملك الآخرون.
فإن خاب ظنك في ذريتك لا تنكر ألمك…
لكن لا تسمح له أن يكسر كرامتك.
وإن عدت بذاكرتك إلى تلك القلوب الصغيرة البيضاء…
فاعلم أن الزمن يغيّر النفوس لكن الله لا يضيع صدق النوايا.
وكل ما زرعته يومًا من حب وخير…
سيبقى شاهدًا لك لا عليك حتى وإن لم ترَ ثماره كما تمنيت.
ثم في آخر الطريق… حين يهدأ كل شيء ولا يبقى في القلب إلا وجع ثقيل كأنه لا يُزاح… يرفع الأب كفيه لا ليؤذي… بل لأنه لم يعد يملك سواهما.
يدعو…
لكن دعاءه هذه المرة ليس كما كان.
ليس دعاء فرحٍ ولا رجاءٍ بسيط…
بل دعاء مكسور
تختلط فيه الحسرة بالخذلان.
يقول في سره:
اللهم إنك تعلم ما في قلبي…
تعلم كم أحببتهم ، وكم خفت عليهم
وكم بذلت لهم من عمري وروحي.
فإن كانوا قد نسوا… فأنت لا تنسى.
وإن كانوا قد جفوا… فأنت العدل الذي لا يجور.
ثم يسكت… لأن الكلمات تخونه
ولأن الدموع أصبحت أصدق من كل الدعاء.
لا يطلب لهم ألمًا… لكنه يطلب أن يفهموا.
أن يشعروا يومًا ولو متأخرًا بثقل ما فعلوا.
أن يدركوا كم كان قلبه بيتهم…
وكم كانوا فيه كل شيء.
يمضي… بقلب لم يعد كما كان ، وبصمتٍ أطول من العتاب، وبدعاءٍ أخير لا يُسمع…
لكنه يصل. وحينها فقط…
يكون الوجع قد قال كلمته الأخيرة
ويبقى حكم وعدل رب العباد فيهم أقوى عقاب
وفي الختام….
وفي ليلةٍ طويلة…
جلس الأب وحده في ذات المكان الذي كان يومًا يمتلئ بأصواتهم وضحكاتهم.
نظر إلى الجدار بصمت كأن الذكريات تُعرض أمامه واحدةً تلو الأخرى.
هنا كانوا يركضون…
وهنا كان يحملهم على كتفيه…
وهنا كان يضحك من قلبه دون خوفٍ من الغد.
أما اليوم…
فلا صوت إلا الصمت ولا شيء يملأ البيت سوى الوحدة.
مدّ يده المرتجفة إلى هاتفه…
قلّب صورهم القديمة طويلًا ثم ابتسم ابتسامةً موجوعة وقال بصوتٍ خافت
“كبروا كثيرًا… حتى نسوا اليد التي رفعتهم.”
ثم أطفأ الشاشة…
وأعاد رأسه إلى الخلف وكأن التعب أخيرًا انتصر عليه.
وفي تلك اللحظة
لم يكن يبكي لأنهم ابتعدوا فقط بل لأنه أدرك أن قلبه ظل ينتظر منهم شيئًا صغيرًا جدًا
اتصالًا دافئًا سؤالًا صادقًا أو حتى شعورًا بأنه ما زال يعني لهم شيئًا.
لكن الانتظار طال
رفع عينيه إلى السماء للمرة الأخيرة وقال بحرقةٍ لا يسمعها إلا الله
“يارب… لقد تعبت.”
ثم سكت…
سكت ذلك الأب الذي أفنى عمره يتحدث لأجلهم ويخاف عليهم ويدعو لهم.
وفي الصباح
كان كل شيء هادئًا بشكلٍ مخيف.
الهاتف بلا رسائل
والباب بلا طارق
والبيت كما هو
إلا أن الأب هذه المرة لم يكن جالسًا ينتظرهم
لأنه مع الوقت
تعلّم أن يتعايش مع هجرانهم
بينما كانوا هم يستمتعون بحياتهم في مكانٍ آخر
دون أن يشعروا أن هناك أبًا يموت ببطء كل ليلة من الشوق والخذلان لهم

اترك تعليقاً