بقلم: علي المعمري
اليمن يعيش أسوأ حقبه التاريخية، هذا أمر لا شك فيه، لكنه لا يزال ذلك الكيان السياسي والقانوني ممثلاً بالجمهورية اليمنية، إذ يواجه، كأي كيان راسخ، تحديات البقاء، وله جذوره الضاربة في الوشائج والجغرافيا، ولا يمكن النيل منها لمجرد أن جماعة طائفية طارئة قررت تمزيقه، أو تنفيذاً لنزوات جماعات قروية باتت تعمل بصورة واضحة لخدمة قوى إقليمية، وترهن حياة شعب لمصالحها.
دعونا من اللغة الخطابية، فهي أضعف من أن تكون لحاف اللحظة للاختباء من التحديات، لكننا أيضاً يجب ألا نقبل بلغة فرض الأمر الواقع، فقط لأن خياراً محدوداً لا يعبر عن اتجاه شعبي واسع أصبح مدججاً بالسلاح.
حتى بافتراض أن ذلك يعبر عن قاعدة شعبية، فإن ذلك لا يمنح أحداً الحق في الوصاية على البلد وسيادته ورموزه.
بالتأكيد يعرف الجميع ملابسات كيف تحولت الحرب، التي اكتسبت مشروعيتها من مواجهة جماعة انقلابية طائفية دفاعاً عن شرعية النظام السياسي للجمهورية اليمنية، إلى أداة لتقويض كيان الجمهورية اليمنية نفسه على يد مكونات ومليشيات لم تكف، حتى اللحظة، عن تهديد وحدة هذا الكيان، واعتساف الطرق المرعية المعروفة دولياً، والتي لا يمكن أن تمر دون إرادة الشعب اليمني في الجنوب والشمال.
حتى اللحظة لا تزال الجمهورية اليمنية هي الكيان الذي يمثل الشعب اليمني جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً، رغم كل التشوهات الحاصلة وتحدي الانقلاب الطائفي الإيراني ومشاريع التمزيق.
كما لا يزال المليشياوي الطائفي والانفصالي المناطقي يحملان جواز الجمهورية اليمنية، ولا يعرفهما العالم إلا بهذه الصفة، وهي حقيقة ماثلة غير قابلة للنقض، لعلها تكون قابلة للنقاش والتصحيح كشكل للدولة، وهو ما كانت مخرجات الحوار الوطني قد أمنته بصورة شبه كاملة، رغم ملاحظات الكثيرين.
في الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة توحيد البلاد في 22 مايو 1990، يمكن للذكرى أن تثير الكثير من النقاشات والكثير من الهذيانات الموسمية عن الوحدة والانفصال، غير أنه لا يجب أن يكون ذلك سبباً للامتناع عن وضع المناسبة في مكانها، فهي عيد وطني للجمهورية اليمنية، وينبغي أن تحظى بالإجلال اللائق، وبتعامل رسمي حكومي.
لأن شرعية السلطة اليوم مكتسبة من شرعية الجمهورية اليمنية، على أن يكون ذلك الاحتفال مقروناً بالإنجاز وتقديم الخدمات للمواطنين، والاحتشاد الرسمي لمواجهة الظروف المعيشية والاقتصادية، وحلحلة حالة الركود الشاملة التي تضرب البلاد وتضعها في مسارات معقدة وسط بيئة إقليمية ودولية مضطربة ومتغيرة تتجاهل من يضعون أنفسهم على دكة الانتظار.
ليس لائقاً بحكومة تمثل الجمهورية اليمنية أن تبدو ضعيفة وغير قادرة على رفع علم البلاد على مؤسساتها الرسمية في ما يفترض أنه عاصمتها، ويُحجر عليها الاحتفاء بمناسبة وطنية كبيرة.
في كل العالم هناك حركات انفصالية، وتكاد دول كبيرة تواجه النزعة نفسها، لكن ذلك كان دائماً يحدث في المسارات القانونية والسياسية بعيداً عن الإكراه والعنف ودون اعتساف الحقائق.
طالما أنك لا تزال تمثل الجمهورية اليمنية، فإنك ملزم باحترام رموزها وإنفاذ تشريعاتها، وإنه لمن المثير للعجب أن ترى مسؤولاً انفصالياً يصدر قرارات بديباجات قانونية تخص الجمهورية اليمنية، لكنه يركل القوانين الأخرى بأقدامه، ويرفض العلم اليمني ويمنع الآخرين، وهم جنوبيون في الأغلب، من الاحتفال بمناسبة وطنية عزيزة.
دائماً، في محطات تاريخية وحقب مشهودة في التاريخ، كان اليمن الكبير ضحية الحكام والسياسيين والجماعات الطائفية ونزعات التسلط والهيمنة، لكن ذلك لم يكن سبباً للمزيد من التنكيل به وتلطيخه في وعي الشعب، إذ يتنافى ذلك مع فكرة وجود الشعب نفسه.
نحن شعب جدير بمواجهة مشاكله وتحدياته السياسية بوعي أن البلد لا يمكن أن تقوم له قائمة بتمزيقه، لأن ذلك يفتح باب الشرذمة وإعادة رسم الخراب إلى كيانات ودويلات متناحرة على مستوى المحافظة الواحدة، ولن يُبقي الشمال شمالاً ولا الجنوب جنوباً، كما قال ذات يوم المناضل الكبير ياسين سعيد نعمان.
نحن بحاجة إلى مراجعة صيغة أكثر استيعاباً للتعدد والشراكة بين مختلف أبناء البلد واتجاهاته ومشاربه ومكوناته، هذا صحيح، لكن ذلك لن يكون بإحلال بديل عن الجمهورية اليمنية.
برغم كل شيء، أهنئ شعبنا اليمني في كل مكان بحلول ذكرى 22 مايو 1990 السادسة والثلاثين.. نسأل الله أن يكون في عون شعبنا وبلدنا للتخلص من الانقلاب الحوثي، وأن يلهم اليمنيين صواب الفعل والحفاظ على لحمة الدم والمصير والجغرافيا.
كل عام وأنتم، أحبابنا، بألف خير.
* عضو مجلس النواب – محافظ تعز الأسبق