فاطمة إبراهيم القاضي
عدتُ إلى نقطةٍ كنتُ أقسم أنني لن أعود إليها..
عدتُ إلى نفسي التي كنتُ أزدريها..
إلى ذلك الصوت الذي كان يختنق في صدري..
وإلى تلك النظرة التي يملؤها الخوف أكثر من أي شيءٍ آخر..
لم يكن الموقف عابرًا…
كان كاشفًا..
كأنّه مرآةٌ قاسية وضعتني أمام حقيقتي..
وأرَتني كم كنتُ أعيش وَهْم التغيّر
وأُقنع نفسي بأنني أصبحتُ أقوى..
بينما كنتُ في الواقع… أؤجّل المواجهة لا أكثر…
كل تلك السنوات..
كل الكلمات التي كنتُ أُردّدها لنفسي
كل ذلك الإحساس بأنني تجاوزت…
انهار في لحظةٍ واحدة..
انكشفتُ.
لا أمام الناس…
بل أمام نفسي..
وأقسى ما قد يختبره الإنسان
أن يرى نفسه تعود إلى النقطة ذاتها
التي أنهكته محاولات الخروج منها..
أنا لم أنهزم من الموقف…
أنا انهزمتُ من نفسي.
خانني لساني..
وتراجع موقفي..
وتلاشت ثقتي بي كأنها لم تكن يومًا..
كنتُ أظن أنني تغيّرت..
لكنني في الحقيقة لم أفعل سوى أن غلّفتُ ضعفي بهدوءٍ مُخادع..
ألبسته هيئة النضج..
وهو في جوهره… الخوف ذاته
لكن بصوتٍ أخفت..
وهذا ما يؤلم أكثر..
أن تكتشف أنك لم تُداوِ جرحًا
بل تعلّمت كيف تُخفيه بإتقان..
أنا لستُ الشخص الذي تمنّيت أن أكونه
ولا حتى قريبةً منه…
في داخلي شيءٌ مكسور..
شيءٌ كلما ظننتُ أنه اندثر… عاد ليؤكد عكس ذلك..
وقد تعبتُ من هذه الدائرة..
تعبتُ من تصديق نفسي..
ثم الاستيقاظ على حقيقة أنني لم أغادر مكاني..
لكن…
رغم كل هذا الثقل..
هناك حقيقةٌ مُرّة أحاول الفرار منها..
ربما لم أتغيّر كما ادّعيت..
ربما كنتُ أُجيد خداع نفسي أكثر مما أُجيد مواجهتها..
وربما هذا الألم ليس دليل عودةٍ عابرة…
بل دليل أنني لم أبرح مكاني أصلًا