حوار / الكاتبة : نورة السالم

فيصل الباهلي شاعر وكاتب سعودي من قبيلة باهلة وهي قبيلة ارتبط اسمها تاريخيًا بالفصاحة والبيان والإهتمام باللغة العربية وخرج منها عدد من الأعلام المعروفين في الأدب واللغة والخطابة مثل الأصمعي وسحبان وائل الذي ضُرب به المثل في البلاغة حتى قيل: «أفصح من سحبان».

نشأ الباهلي في بيئة كان فيها الاهتمام باللغة والكلمة حاضرًا بشكل واضح، فوالده مدرس لغة عربية ومؤلف لعدد من الكتب، كما عُرفت العائلة بالاهتمام بالفصاحة واللسان العربي. ومنذ سنواته الأولى لم يكن منشغلًا بالشعر بوصفه قالبًا أدبيًا فقط، بل باللغة نفسها؛ كيف تُخلق العبارة، ولماذا تؤثر بعض الكلمات في الإنسان بينما تمر أخرى بلا أثر، وكيف يمكن للكلام أن يبني وعي الإنسان أو يضلله.

وعُرف الباهلي بأسلوب يجمع بين الشعر والتأملات الفكرية والنقد الثقافي والإنساني، وباهتمامه بتحليل الأفكار والسلوكيات والبحث فيما وراء الظواهر والمعاني المباشرة. كما ارتبطت كثير من كتاباته بقضايا الكرامة الإنسانية والصدق مع النفس ورفض التقليد والتبعية، إذ يرى أن التقليد لا يرتبط بالأسلوب فقط، بل بطريقة نظر الإنسان إلى نفسه وقيمته الداخلية.

ويُعرف الباهلي باهتمامه بالتفكير المستقل، وطرحه المرتبط بالتأمل في الإيمان والوعي والمعنى، إلى جانب نظرته النقدية تجاه المظاهر الاجتماعية والمبالغة في تقديس الأشخاص أو الأفكار على حساب الحقيقة والعقل. كما عُرف بطرحه لقضايا تتعلق بنزاهة الشعر والذائقة الأدبية، وانتقاده للمجاملات الثقافية والانشغال بالأسماء والصورة الاجتماعية أكثر من الانشغال بجودة النص والمعنى.

قدّم خلال تجربته عددًا كبيرًا من النصوص الشعرية الموزونة والمقفّاة، إلى جانب عمله على عدد من الكتب والمشاريع الفكرية والأدبية، من بينها «استيقاف العابر» و«استخلاص مختلف»، وهي أعمال تقوم على التأملات الفكرية والشذرات وتحليل السلوك الإنساني ومحاولة قراءة ما وراء التفاصيل والمواقف اليومية.

كما يهتم الباهلي بتطوير شكل الأمسية الشعرية العربية، من خلال تصورات حديثة تسعى إلى تحويل القصيدة من مجرد إلقاء تقليدي إلى تجربة حيّة تجمع بين الكلمة والحضور المسرحي والعناصر البصرية والصوتية، بما يواكب تطور الفنون المعاصرة ويحافظ في الوقت نفسه على قيمة الشعر ومكانة الكلمة.

فأهلاً بكم في حوار صحفي يجمع بين نبض اللغة وعمق الفكر فالشعر ليس مجرد كلام جميل بل هو تجربة معرفية تفتح أمامنا طرقاً جديدة لرؤية العالم. في هذا الحوار سنحاول أن نقرأ الشعر كفعل فلسفي ونصوصٌ تتساءل وتُعيد تشكيل علاقتنا بالذات والآخر والزمان.

 كيف بدأت علاقتك بالشعر؟ وما اللحظة التي شعرت فيها بأن الكتابة ستكون جزءًا من هويتك

بدأت علاقتي بالشعر من ملاحظة المعنى قبل ملاحظة القصيدة نفسها.

كنت دائمًا أتوقف عند الكلام الذي يترك أثرًا، وأتساءل: لماذا تعيش بعض العبارات في الإنسان بينما تموت غيرها فورًا. مع الوقت فهمت أن اللغة ليست مجرد تعبير، بل طريقة يرى بها الإنسان العالم.

أما شعوري بأن الكتابة ستكون جزءًا من هويتي، فلم يأتِ كلحظة مفاجئة، بل كشيء يتكوّن بهدوء. كلما كبرت اكتشفت أنني أنظر لما وراء الأشياء أكثر من الأشياء نفسها، وأن الكتابة كانت المساحة الوحيدة القادرة على جمع هذا التأمل كله بصوت يشبهني

هل تتذكر أول نص كتبته؟ وما الذي دفعك لكتابته؟

-كأول نص كان يدفعني لكتابة مافي نفسي وانتشر انتشار واسع جداً لدرجة ان الكثير كل من اعُجب به ينسبه لنفسه والبعض الاخر قلده بطريقة أخرى لكن التواريخ لا تجامل أحد، فهو لي منذ نزوله في صحيفة الرياض الرسمية.

«لولا المواقف ما عرفت الرجاجيل».

يوم كتبتها لم أكن أفكر أنها ستنتشر بهذا الشكل وما زالت القصيدة رواجا كبيرا، يبدو أن النص حين يخرج من تجربة حقيقية يصل للناس بطريقة مختلفة. كنت دائمًا أؤمن أن الإنسان لا يُعرف بالكلام السهل ولا بالمظاهر، بل بالمواقف، والمواقف وحدها هي التي تكشف المعادن فعلًا.

وأعتقد أن أكثر ما دفعني للكتابة وقتها هو مراقبتي للبشر. كنت أرى التناقض الكبير بين الصورة التي يقدمها البعض عن نفسه، وبين حقيقته عندما تتغير الظروف. وهذه الفكرة بالذات بقيت ملازمة لي في كثير من نصوصي بعد ذلك.

 من الشعراء الذين أثّروا في تكوينك الأدبي؟

– لا أستطيع أن أقول إن شاعرًا بعينه صنع تكويني الأدبي.

أنا بطبيعتي أميل لكل ما يحمل قيمة حقيقية، سواء كان شعرًا موزونًا، أو موقفًا نادرًا، أو حتى جملة مكتوبة بوعي ومهارة. ما يشدّني دائمًا هو الصدق والقوة والمعنى الذي يبقى، لا الاسم وحده.

ولذلك لم أكن يومًا ميّالًا لفكرة أن يعيش الكاتب داخل صوت غيره. كنت أرى أن أجمل ما يملكه الإنسان هو نبرته الخاصة، لأن التقليد مهما أتقنه صاحبه يبقى ظلًا، بينما الصوت الحقيقي وحده هو الذي يعيش.

 ما الفكرة أو الشعور الذي يدفعك غالبًا للكتابة؟

– غالبًا ما يدفعني للكتابة ليس الحدث نفسه، بل ما يختبئ خلفه أنا مشدود دائمًا للأفكار التي تكشف الإنسان، وللتفاصيل التي تمر على الناس عادي بينما تحمل في داخلها معنى كبيرًا. أحيانًا كلمة، أو موقف، أو حتى صمت شخص، يفتح داخلي تأملًا طويلًا.

ولهذا أشعر أن الكتابة عندي ليست مجرد وصف شعور، بل محاولة لفهم ما وراء الشعور نفسه.

كيف تصف علاقتك باللغة؟ هل تراها أداة للتعبير أم شريكًا في الخلق؟

-أشعر أن اللغة مع الوقت تتحول إلى انعكاس داخلي للإنسان ليست القضية ماذا يقول الشخص، بل كيف يقوله، ولماذا اختار هذا المعنى دون غيره. أحيانًا كلمة واحدة تكشف إتزان صاحبها، وأحيانًا تفضح ضحالة كاملة مهما كان الكلام منمقًا.

لهذا أرى أن القيمة الحقيقية للغة ليست في قدرتها على إيصال الفكرة فقط، بل في قدرتها على تهذيب الإنسان من الداخل أيضًا. لأن الإنسان كلما ارتقى وعيه، ارتقت طريقته في النظر والكلام والتعامل حتى دون أن يتعمد ذلك

في زمن السرعة؟ كيف يحافظ الشاعر على عمق النص وصدقه؟

– أعتقد أن أخطر ما قد يفعله الشاعر اليوم هو أن يستعجل نفسه فقط ليبقى حاضرًا.

السرعة تصنع ظهورًا سريعًا، لكنها لا تصنع نصًا يعيش. ولهذا أرى أن الشاعر الحقيقي يحافظ على صدقه حين يكتب ما يؤمن به فعلًا، لا ما تفرضه اللحظة أو يطلبه التصفيق النص العميق غالبًا لا يولد من الاستعجال، بل من إنسان تأمل طويلًا قبل أن يتكلم

كيف ترى حضورك في المشهد الشعري اليوم؟ وما الذي تغيّر في تجربتك خلال السنوات الأخيرة؟

المشهد الشعري اليوم مزدحم بالأصوات، لكن القليل فقط يملك نبرة لا تختلط بغيرها.

كنت دائمًا مؤمن أن الاختلاف الحقيقي لا يصنعه التصنع ولا الضجيج، بل تصنعه الهوية حين تستقر داخل الإنسان حتى تظهر تلقائيًا في طريقته ونصه ونظرته. فأصبحت أميل أكثر للهدوء والتركيز على الجوهر. في البداية ينشغل الإنسان بأن يثبت نفسه، ثم يكتشف لاحقًا أن الأهم من الظهور هو أن يبقى صادقًا مع صوته مهما تغيّرت الاتجاهات حوله

هل تعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي خدمت الشعر أم أضعفته؟

-أصبح من السهل اليوم أن ينتشر أي كلام، لكن ليس من السهل أن يبقى وهنا الفرق الحقيقي. لأن كثرة الظهور لا تعني دائمًا وجود قيمة، كما أن كثرة التفاعل لا تعني أن النص عاش داخل الناس فعلًا.

ما حدث أن المسافة بين الشاعر والجمهور اختصرت كثيرًا، وهذا جميل من جهة، لكنه جعل القصيدة تدخل في سباق مع السرعة والضجيج والرغبة المستمرة في لفت الانتباه. ومع ذلك يبقى النص الحقيقي مختلفًا، لأنه حتى وسط هذا الزحام يملك قدرة نادرة على البقاء

ما النص الذي تشعر أنه الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟

‏-يصعب عليّ أن أضع نصًا فوق نص، لأن كل قصيدة أكتبها خرجت من فكرة أو شعور أؤمن به فعلًا. لكن «عبادة الشهوة وتقديس الأموال» بقي قريبًا مني؛ لأنه يتأمل الإنسان حين تبدأ الأشياء الخارجية بسحب روحه منه بالتدريج، دون أن يشعر. وأعتقد أن أخطر ما قد يحدث للإنسان أن يربط قيمته بأشياء زائلة ثم يقضي عمره يطاردها

كيف تتعامل مع ردود فعل الجمهور؟ سواء كانت نقدًا أو إعجابًا؟

– الإعجاب جميل حين يكون نابعًا من فهم حقيقي، والنقد مهم حين يكون صادرًا من وعي لا من رغبة في التقليل. أما الانفعال بكل رأي فذلك يُتعب الإنسان أكثر مما يطوره، لأن الناس تختلف أذواقها ونظرتها دائمًا، بينما يبقى الأهم بالنسبة لي أن أكون صادقًا مع ما أكتبه، لا مع ردود الفعل حوله

هل يكتب فيصل الباهلي للجمهور أم لنفسه أولًا؟

-الكتابة عندي لا تبدأ من فكرة إرضاء أحد أصلًا.

هي تبدأ حين أشعر أن هناك معنى يستحق أن يُقال بالطريقة التي أراها أنا، ثم بعد ذلك يذهب النص للناس دون أن أغيّر ملامحه حتى يناسب أحدًا أو يطلب قبوله

ما اللحظة التي شعرت فيها بأن حرفك وصل إلى الناس بالطريقة التي تمنيتها؟

-اللحظة التي شعرت فيها أن ما أكتبه وصل فعلًا، كانت حين بدأت أرى الناس تتأمل الفكرة لا الكلمات فقط.

لأنني لا أنشغل كثيرًا بأن يُعجب الناس بطريقة التعبير بقدر ما يهمني أن يبقى المعنى داخلهم بعد انتهاء الكلام، وكأن النص أيقظ شيئًا كانوا يشعرون به دون أن يستطيعوا تسميته

 ما مصادر الإلهام التي تغذي تجربتك الأدبية الفلسفية؟

يلهمني كل شيء يكشف حقيقة الإنسان بعيدًا عن صورته التي يحاول إظهارها.

أشد ما يثير اهتمامي دائمًا هو التناقض البشري؛ كيف يفكر الإنسان، لماذا يتغير، كيف تهزّه الرغبات، ولماذا يهرب أحيانًا من نفسه وهو يظن أنه يهرب من الآخرين. أشعر أن الحياة مليئة بمعانٍ أعمق من شكلها الظاهر، وربما لهذا لا أتوقف كثيرًا عند الأحداث نفسها بقدر ما أتوقف عند ما تكشفه

 هل تمرّ بفترات انقطاع عن الكتابة، وكيف تتعامل معها؟

– لا أقلق منها أبدًا. أشعر أن الصمت أحيانًا جزء من التكوين نفسه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكتب بعمق وهو يستهلك نفسه باستمرار. بعض الفترات تكون للحياة أكثر من الكتابة، ثم يعود المعنى وحده حين يشعر أن لديه ما يستحق أن يُقال

ما الطقوس التي ترافقك أثناء كتابة نص جديد؟

-لا أؤمن كثيرًا بفكرة الطقوس الثابتة، لأن النص الحقيقي عندي لا يأتي بالترتيب بقدر ما يأتي بالحالة.

أحيانًا تبدأ الفكرة من كلمة عابرة أو موقف بسيط ثم تظل تتحرك داخلي طويلًا، إلى أن أشعر أن المعنى اكتمل بما يكفي ليُكتب. وأكثر ما أحتاجه غالبًا هو الهدوء، لأن الضجيج يقطع العلاقة بين الإنسان وما يفكر فيه بعمق

 ما المشاريع الشعرية أو الأدبية التي تعمل عليها حاليًا؟

أكثر مشروع يشغلني حاليًا ليس ديوانًا أو إصدارًا بقدر ما هو محاولة لإعادة تقديم الأمسية الشعرية بروح تليق بقيمة الكلمة وتأثيرها الحقيقي.

أشعر أن الشاعر بقي طويلًا داخل قالب تقليدي ثابت، بينما بقية الفنون تطورت بصريًا وصوتيًا وإخراجيًا حتى أصبحت تجربة متكاملة يعيشها الجمهور بكل تفاصيلها الفكرة التي أعمل عليها تقوم على نقل القصيدة من مجرد إلقاء إلى تجربة حيّة؛ مسرح، وإخراج، ومؤثرات، وتفاعل، وحضور بصري وسمعي يجعل المتلقي يعيش النص لا يسمعه فقط. لأنني مؤمن أن الشعر لا يقل عن أي فن آخر، بل إن كثيرًا من الفنون قامت أساسًا على الكلمة، ومع ذلك بقي الكاتب غالبًا في الخلف.

ولدي تصور متكامل لهذا المشروع من الفكرة حتى طريقة التطبيق، وأرى أنه قادر على إحداث نقلة مختلفة في المشهد الشعري إذا وجد الاهتمام والتبنّي المناسب من الجهات الثقافية المعنية، لأن مثل هذه الأفكار يصعب أن تتحول إلى واقع فردي مهما كانت وضوحها، بل تحتاج جهة تؤمن بها وتمنحها المساحة التي تستحقها لتُجرّب وتُبنى بالشكل الذي يليق بها وبالمشهد الثقافي السعودي

هل تفكر في إصدار ديوان جديد قريبًا؟

لا أفكر فيه بالشكل التقليدي المعتاد.

بعد ما يقارب 1400 نص شعري موزون ومقفّى، أشعر أن التجربة تجاوزت فكرة إصدار ديوان واحد، لأنني حتى اليوم لا أعرف تجربة شعرية وصلت لهذا الامتداد في الكم مع الحفاظ على بناء النص والمعنى والهوية.

ولهذا أميل أكثر إلى أعمال مختلفة تمزج بين الشعر والشذرات والتأملات الفكرية، وتقدّم النص بطريقة أقرب لروحي ونظرتي للحياة، لا كصفحات مجمّعة فقط

ما الرسالة التي تودّ أن تتركها للشعراء الشباب؟

-أكثر ما أضرّ الشعر في رأيي هو اللحظة التي أصبح فيها الاسم أكبر من النص، والتقديس أعلى من التفكير، والمجاملة أهم من نزاهة الذائقة.

حين يخاف الناس من نقد الخطأ فقط لأن قائله مشهور، يبدأ الشعر بالتراجع حتى لو ظن الجميع أنه بخير. لأن القصيدة لا يحميها التصفيق، بل يحميها الصدق والوعي والقدرة على قول: هذا جميل وهذا ضعيف دون حسابات أخرى.

كما أن الانبهار بالإلقاء والشخصية والصورة الاجتماعية جعل كثيرًا من المعاني تُمرّر بلا تأمل حقيقي. حتى أصبح بعض الناس ينجذب للطريقة أكثر من الفكرة، وللغرابة أكثر من العمق، وللاسم أكثر من الشعر نفسه.

ولهذا أرى أن حماية الشعر تبدأ من حماية العقل والذائقة من التبعية، لأن الشاعر قد يخطئ ويضعف، لكن المشكلة الحقيقية حين يتحول الخطأ إلى شيء يُصفق له فقط لأن الناس اعتادت أن لا تفكر.

(( تثقفوا تعلموا واحترموا عقولكم دون تحيز أو خوف أو كبرياء))

كلمة يوجهها الشاعر فيصل الباهلي لمجموعة الغد الإعلامية؟

ج-يسعدني هذا اللقاء مع مجموعة الغد، لأنني أميل دائمًا للمساحات التي تحاور الفكرة قبل أن تلاحق الصورة، وأعتقد أن الإعلام حين يقترب من الإنسان والمعنى بصدق، يصبح جزءًا من تشكيل الوعي لا مجرد ناقل للأحداث. وهذا النوع من الحضور هو ما يبقى أثره أطول من اللحظة نفسها.

تبقى الكلمات صدى فينا والأفكار بذوراً نعود إليها شكرًا لفيصل الباهلي على مشاركته عمق رؤيته ولتطرقه الذي جعل من الخوار مساحة للاستماع والتأمل لنحمل معنا سؤالاً واحداً: كيف يغير الشعر طريقة وجودنا؟

اترك تعليقاً