نزار الطويلنزار الطويل

بقلم: نزار الطويل

منذ الصغر، يُربّي الكثير من الآباء والمربين أبناءهم على أن الشجاعة تعني عدم إظهار الضعف، «لا تبكِ»، «كن رجلاً»، «ما يصير تخاف»، «واجه الأمر بشجاعة»… عبارات تتكرر يوميًا في بيوتنا ومدارسنا حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا التربوية؛ فيعتقد الطفل أن الشجاعة الحقيقية هي أن يخفي دموعه ويكتم خوفه، ويبتسم في وجه المواقف الصعبة حتى لو كان قلبه يرتجف، ويتعلّم مُبكِّرًا أن يلبس قناع الشجاعة، لا لأنه قويّ داخليًا، بل لأنه يخشى أن يُرى ضعيفًا أمام الآخرين، لكن مع الزمن، تتحول هذه «الشجاعة» إلى شيء آخر تمامًا،
تصبح مراضاة للنفس، محاولة يائسة من الذات لإقناع نفسها بأنها قوية، حتى لو كانت تخفي ضعفًا عميقًا..
الشجاعة الحقيقية لا تُخشى أن تنكشف!!
أما الشجاعة المصطنعة فهي التي تهرب من مواجهة الضعف وتلبس ثوب البطولة وتصرخ بصوت عالٍ وتتخذ مواقف درامية، فقط كي لا يرى أحد الخوف أو الوهن الذي يعيش بداخلها، ونرى ذلك بوضوح في حياتنا اليومية:
الشاب الذي يدخل في مشاجرة لأنه خاف أن يُتهم بالجُبن..
الأشخاص التي تستمر في علاقات سامة لأنها تخشى أن تعترف بضعفها أمام نفسها..
الموظف الذي يقبل بِظُلم في العمل ويسميه «صبرًا» خوفًا من أن يبدو غير قادر على التحمل..
كل هذه المواقف ليست شجاعة حقيقية، بل هي محاولة النفس لترضي نفسها حتى لا تواجه ضعفها المخيف؛ وتبدأ الشجاعة الحقيقية حين يستطيع الإنسان أن يقول:
«أنا خايف… ومع ذلك سأفعل».
«أنا ضعيف في هذه النقطة… وأنا مستعد أعترف».
هذه هي الشجاعة التي لا تحتاج إلى قناع، ولا تحتاج إلى صراخ، ولا تحتاج إلى إثبات لأحد؛ شجاعة هادئة، صادقة، ونادرة، وربما حان الوقت أن نعيد النظر في طريقة تربيتنا لأبنائنا بدل أن نعلّمهم «لا تبكِ»، لنعلّمهم «ابكِ إذا احتجت… ثم قف وقاوم».
بدل أن نُعلّمهم إخفاء الضعف، لنُعلّمهم أن يواجهوه بصدق، لأن الشجاعة الحقيقية لاتُخشى أن تنكشف، بل هي التي تنكشف… فتزداد قوة.

اترك تعليقاً