فاطمة إبراهيم القاضي البلوي

تبوك

يظنّ البعض أن كل ما يكتبه الإنسان إنما هو انعكاسٌ مباشرٌ لتجاربه الشخصية، وأن الكلمات ليست إلا سيرةً خفيةً لصاحبها. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فالكتابة ليست دائمًا اعترافًا، وليست بالضرورة ترجمةً دقيقةً لما نعيشه، بل هي مساحةٌ رحبةٌ يتجاوز فيها الكاتب ذاته ليعانق تجارب الآخرين، أو ليخلق عوالم لم يعشها أصلًا.

إن الكاتب، في كثيرٍ من الأحيان، لا يكتب ليحكي قصته، بل ليصنع قصة. قصةٌ قد تكون مستوحاة من خيالٍ خالص، أو من حكايةٍ سمعها، أو من ألمٍ لم يذقه لكنه شعر به حين رآه في عيون الآخرين. فالكلمات هنا لا تمثل واقعًا شخصيًا، بل تصبح أداةً لفهم المشاعر الإنسانية وترجمتها، مهما كان مصدرها.

حين نكتب عن الحزن، لا يعني ذلك أننا نعيشه في تلك اللحظة، بل قد نكون نحاول تصوير حزن بطلٍ تخيّلناه، أو إنسانٍ قصّ علينا وجعه. وحين نكتب عن الخذلان أو الفقد أو الانكسار، فنحن لا نقرّ بأننا مررنا بكل ذلك، بل نمنح تلك المشاعر صوتًا، ونُلبسها حروفًا لتُفهم وتُحس.

الكتابة إذًا ليست دائمًا سيرة ذاتية، بل هي فعل إبداعي، يتجاوز حدود الذات إلى رحابة الإنسانية. هي القدرة على التقمص، وعلى بناء شخصياتٍ تنبض بالحياة، وعلى رسم مشاعر قد لا تكون لنا، لكنها تشبهنا في إنسانيتنا

ولذلك، ليس كل ما يُكتب يُعاش، وليس كل ما يُقال يُمثّل صاحبه. فالكاتب قد يكون مجرد راوي، أو مترجمٍ لمشاعر غيره، أو خالقٍ لعالمٍ كاملٍ من الخيال، يمنح فيه أبطاله أصواتهم الخاصة، ويترك لنا نحن مهمة الشعور

اترك تعليقاً