فاطمة آل مبارك /أبها

تمثل مرحلة التحقيق في القضايا التي يكون فيها الأطفال أطرافًا، سواء كضحايا أو شهود أو حتى كمدعى عليهم، واحدة من أكثر المراحل دقة وحساسية في النظم القضائية الحديثة.

من هذا المنطلق، برزت «وثيقة مسقط لقواعد حماية الطفل خلال مرحلة التحقيق» لتشكل إطارًا تشريعيًا ملزمًا ومتقدمًا، يهدف إلى توفير مظلة حماية شاملة للأطفال في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

إذ لا تقتصر أهمية هذه الوثيقة على كونها مجموعة من الإجراءات القانونية فحسب، وتمتد لتكون ميثاقًا إنسانيًا يراعي التكوين النفسي والبدني للطفل، ويضمن عدم تعرضه لأي انتهاكات قد تترك ندوبًا عميقة في ذاكرته الغضة.

وقد تجسد الاهتمام السعودي البالغ بهذا الملف مؤخرًا من خلال اعتماد مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية لهذه الوثيقة الهامة، في خطوة تعكس التزامًا راسخًا ومستمرًا بحماية حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الطفل على وجه الخصوص.

يأتي هذا الاعتماد ليتوج جهودًا متواصلة تبذلها المملكة لتطوير منظومتها العدلية والتشريعية، بما يتواكب مع أفضل الممارسات الدولية، وبما يحقق مستهدفات رؤية 2030 التي تضع بناء الإنسان وتوفير البيئة الآمنة له في صميم أولوياتها.

إن هذا التحرك الرسمي يرسل رسالة واضحة مفادها أن الطفولة خط أحمر، وأن العدالة يجب أن تترافق دائمًا مع الرحمة وتفهم الاحتياجات الخاصة لهذه الفئة العمرية.

المحاور الرئيسية والضمانات الجوهرية

تستند الوثيقة إلى مجموعة من القواعد الأساسية التي تمت صياغتها بعناية فائقة لتغطي كل جوانب التعامل مع الطفل منذ اللحظات الأولى لبدء الإجراءات القانونية.

يأتي على رأس هذه المحاور ترسيخ مبدأ «الأولوية لمصلحة الطفل الفضلى»، حيث تنص الوثيقة صراحة على أن هذه المصلحة يجب أن تكون المعيار الذهبي والبوصلة الموجهة لجميع الإجراءات المتخذة.

ويعني ذلك أن أي قرار يتخذه المحققون أو القضاة يجب أن يُوزن أولًا بميزان تأثيره على الطفل، وما إذا كان يصب في صالحه على المديين القصير والطويل، متجاوزًا أي اعتبارات إجرائية أخرى قد تتعارض مع هذا المبدأ السامي.

وفي سياق متصل، تولي الوثيقة اهتمامًا استثنائيًا بضمانات سرية وخصوصية الطفل، إدراكًا منها لخطورة الوصمة الاجتماعية التي قد تلاحق الحدث طوال حياته.

ولذلك، تفرض القواعد حظرًا باتًا على نشر أية بيانات أو صور للطفل الجانح في وسائل الإعلام المختلفة، وتمنع منعًا قاطعًا اطلاع أي أشخاص غير مختصين على محاضر وإجراءات التحقيق.

وتضمن هذه السرية التامة حماية السمعة المستقبلية للطفل، وتمنح فرصة حقيقية لإعادة تأهيله وإدماجه في المجتمع دون أن ترافقه ظلال الماضي.

ولتحقيق هذه الأهداف، كان لا بد من إحداث تغيير جذري في بيئة التحقيق التقليدية، حيث تُلزم الوثيقة الجهات المعنية بتوفير بيئة تحقيق صديقة للطفل تتسم بالهدوء، وتخلو من المظاهر البوليسية الصارمة التي قد تثير الرعب في نفس الصغير.

ويتطلب ذلك بالضرورة مراعاة الحالة النفسية والإدراكية للطفل، واستخدام لغة مبسطة ومفهومة تناسب مرحلته العمرية، مع الحظر التام والمطلق لأي شكل من أشكال الإكراه، أو الترهيب، أو الضغط النفسي الذي قد يدفعه للإدلاء بأقوال غير دقيقة أو الاعتراف بما لم يقترفه.

إلى جانب هذه الضمانات النفسية، ترسخ الوثيقة حقوقًا قانونية أصيلة لا تقبل المساومة، إذ يحق للطفل التزام الصمت التام دون أن يُفسر ذلك ضده.

كما يكفل له النظام حق الاستعانة بمحامٍ للدفاع عن مصالحه، وتوفير مترجم متخصص إذا دعت الحاجة لذلك.

ولضمان شعور الطفل بالطمأنينة، تؤكد الوثيقة على حتمية حضور الوالدين أو الوصي الشرعي جلسات التحقيق، ما لم ترَ الجهة المختصة أن هذا الحضور قد يتعارض صراحة مع مصلحة الطفل الفضلى، كأن يكون أحد الوالدين هو الخصم أو المتسبب المباشر في الأذى.

وعلى الصعيد الإجرائي، تسعى الوثيقة إلى الحد من معاناة الطفل المرتبطة بطول أمد الإجراءات القانونية وتعددها.

فقد تضمنت توجيهات واضحة بتقليص مدة التحقيق إلى الحد الأدنى الممكن، مع تفضيل إنجاز كل الإجراءات وجمع الاستدلالات في جلسة واحدة قدر الإمكان لتجنب استدعاء الطفل مرارًا وتكرارًا، وهو ما يعزز جهود تجنب الصدمة النفسية الثانوية.

ولضمان دقة التوثيق وعدم الحاجة لإعادة الاستجواب، تشجع الوثيقة على استخدام تقنيات التسجيل السمعي والمرئي لمجريات التحقيق بأحدث الوسائل التكنولوجية المتاحة.

ولأن نجاح أي نظام يعتمد بالدرجة الأولى على كفاءة القائمين عليه، فقد أولت الوثيقة أهمية بالغة للعنصر البشري والمكاني. وتشدد القواعد على إلزامية تخصيص أماكن احتجاز منفصلة تمامًا للأطفال، بعيدة كل البعد عن أماكن احتجاز البالغين، لتجنيبهم خطر الاحتكاك بمعتادي الإجرام.

كما تنص على إنشاء وحدات أمنية وقضائية متخصصة حصريًا للتعامل مع الأحداث، وتعمل على تأهيل الكوادر العاملة فيها، من محققين وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، عبر برامج تدريبية تضمن امتلاكهم للمهارات العالية للتعامل مع هذه الفئة الحساسة.

وفي خطوة استشرافية تعكس نضجًا تشريعيًا لافتًا، تدعو الوثيقة إلى تفعيل المسارات البديلة للمحاكمات القضائية التقليدية.

ويعني هذا التوجه إيجاد حلول تعتمد على الإجراءات التوجيهية، وبرامج التأهيل، والصلح في المخالفات البسيطة، بدلًا من إدخال الطفل في أروقة المحاكم ودهاليز العدالة الجنائية.

وتمنح هذه البدائل الطفل المخطئ فرصة لتصحيح مساره بعيدًا عن تعقيدات العقوبات السالبة للحرية، مما يقلل بشكل ملموس من نسب العود إلى الجريمة، ويدعم مساعي الإصلاح المجتمعي الشامل.

الأثر الإقليمي والتطلعات المستقبلية

يمثل تطبيق «وثيقة مسقط» نقلة نوعية في الإطار القانوني لعدالة الأحداث وحماية الأطفال في المنطقة بأسرها. فهي لا تكتفي بوضع نصوص جامدة، بل تؤسس لثقافة عدلية جديدة تجعل من حماية الطفل محورًا مركزيًا لعملية التقاضي.

ويؤدي الالتزام الدقيق بهذه القواعد إلى ضمان خلق بيئة آمنة تمامًا للطفل خلال كافة الإجراءات القضائية، مما ينعكس إيجابًا على ثقة المجتمع في نظامه العدلي، ويضمن خروج الأطفال من هذه التجارب الصعبة بأقل قدر ممكن من الأضرار النفسية والاجتماعية.

علاوة على ذلك، يمثل هذا الإطار الموحد تأكيدًا عمليًا لموقف دول مجلس التعاون الخليجي في الالتزام العميق بالاتفاقيات والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الطفل.

ويعزز توحيد الرؤى والسياسات الجنائية بين دول الخليج من التضامن الإقليمي، ويقدم للعالم نموذجًا يحتذى به في صياغة القوانين التي توازن ببراعة تامة بين حق المجتمع في استيفاء العدالة من جهة، وحق الطفل في الحماية والرعاية والتقويم من جهة أخرى.

مسؤولية الإعلام والصحافة

تمثل «وثيقة مسقط» جدارًا واقيًا وسياجًا منيعًا يحمي براءة الطفولة من قسوة الإجراءات الجنائية وتداعياتها. وهي خطوة جبارة نحو بناء مستقبل أفضل لأطفالنا، يضمن لهم العيش في مجتمعات تحترم حقوقهم وتحتوي عثراتهم بحكمة وعدل.

ولكن، يبقى من الأهمية بمكان التأكيد على أن القوانين مهما بلغت درجة كمالها، تحتاج دائمًا إلى وعي مجتمعي ومهني داعم لتطبيقها على أرض الواقع بالشكل الأمثل.

وهنا تبرز المسؤولية الجسيمة التي تقع على عاتق الصحفي البشري الممارس لمهنة الإعلام. فرغم كل التطورات التقنية والضوابط القانونية، يبقى الصحفي هو الحارس الأخير لهذه المعايير الأخلاقية عند التغطية الإعلامية للقضايا التي تمس الأطفال.

ويتوجب على الصحفيين أن يكونوا شركاء حقيقيين في حماية هذا السياج المنيع، من خلال التزامهم الصارم بتجنب الإثارة الصحفية على حساب خصوصية الحدث، والابتعاد كليًا عن نشر أي تفاصيل قد تنتهك سرية التحقيقات أو تؤدي إلى كشف هوية الأطفال.

اترك تعليقاً